غياب العيد يخيّم على قرى العرقوب جنوبي لبنان تحت وطأة العدوان الإسرائيلي

يخيّم غياب مظاهر عيد الأضحى المبارك هذا العام على غالبية قرى وبلدات منطقة العرقوب جنوبي لبنان، بعدما فرض العدوان الإسرائيلي المستمر إيقاعًا ثقيلًا على الحياة اليومية للسكان، وحوّل العيد من مناسبة اجتماعية جامعة إلى ذكرى باهتة في مناطق حدودية تعيش بين القصف والنزوح والترقب.
وبين القصف المتقطع والتهديدات التي تعيق عودة النازحين وتُبقيهم بين الخوف والانتظار، يعيش سكان العرقوب، في قضاء حاصبيا بمحافظة النبطية، مشهدًا يعكس تبدّل ملامح الحياة في القرى الحدودية التي تئن تحت وطأة الحرب.
خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار
وبوتيرة شبه يومية، يوجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء قرى وبلدات لبنانية، قبل أن يشن هجمات على منازل ومبانٍ مدنية، غالبًا ما تسفر عن قتلى وجرحى ودمار واسع.
وتأتي هذه الهجمات ضمن خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الهش المعلن منذ 17 أبريل/ نيسان، والذي جرى تمديده 45 يومًا حتى مطلع يوليو/ تموز المقبل.
ومنذ 2 مارس، تشن إسرائيل عدوانًا موسعًا على لبنان، خلّف 3185 قتيلًا و9633 جريحًا حتى مساء الاثنين، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، وفق معطيات رسمية.
المدارس تتحول إلى مراكز إيواء
في بلدات شبعا وكفرحمام ومرج الزهور، حيث تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، تبدلت طقوس العيد التقليدية، فبدلًا من رائحة المعمول وازدحام الزيارات العائلية، حضر الغياب والترقب.
ورغم الظروف القاسية، يواصل بعض السكان الصمود داخل القرى الحدودية، بينما يحاول آخرون الحفاظ على مظاهر رمزية للعيد، مثل إعداد الكعك، في محاولة للتمسك بما تبقى من طقوس الألفة والطمأنينة.
نزوح مستمر
في إحدى مدارس بلدة مرج الزهور التي تحولت إلى مركز إيواء، تعيش نسرين عبد العال، البالغة من العمر 34 عامًا، مع عائلتها بعد أن نزحت ثلاث مرات من بلدة عين عرب في قضاء مرجعيون جنوبي لبنان.
وقالت عبد العال إن عائلتها عادت مؤقتًا إلى قريتها بعد هدنة سابقة، لكنها لم تتمكن من البقاء سوى أيام معدودة، قبل أن يُطلب من السكان مغادرة البلدة خلال مهلة قصيرة.
وأضافت أن النزوح المتكرر ترك أثرًا نفسيًا عميقًا على العائلات والأطفال، مشيرة إلى أن “العيد لم يعد عيدًا”، وأن الأطفال فقدوا القدرة على تمييز أجوائه وسط حالة الخوف المستمرة وأصوات الطائرات.
وتابعت أن العاملين في الزراعة خسروا مواسمهم ومصادر رزقهم، فيما تتزايد المخاوف من فقدان المنازل بشكل كامل في ظل استمرار القصف وعدم استقرار الأوضاع.
صمود القرى الحدودية
في بلدة كفرحمام، ترفض أم نجيب فارس، البالغة من العمر 60 عامًا، مغادرة منزلها رغم القصف والغارات التي تتصاعد خلال الليل، مؤكدة أن أصوات الانفجارات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للسكان.
وأضافت أن الأعياد التي كانت تجمع الأبناء والأحفاد في السابق تحولت إلى مناسبات يغيب عنها معظم أفراد العائلة، نتيجة المخاطر الأمنية وصعوبة التنقل.
ورغم ذلك، شددت أم نجيب فارس على تمسكها بالبقاء في البلدة، قائلة: “نحن صامدون في بيوتنا رغم كل شيء”.
العيد بات عنوانًا للغياب
من جانبه، قال رئيس بلدية كفرحمام مدحت رحال إن عيد الأضحى كان يمثل تقليديًا مساحة اجتماعية لإعادة وصل الروابط بين أبناء البلدة، لكنه اليوم بات عنوانًا للغياب بسبب النزوح والخوف.
وأوضح أن العديد من العائلات النازحة تتردد في العودة حتى خلال المناسبات الدينية، خشية تدهور الوضع الأمني، ما جعل التواصل العائلي ينتقل من اللقاءات المباشرة إلى الزيارات في أماكن النزوح أو الاتصالات الهاتفية.
وأشار رحال إلى أن نحو 110 عائلات لا تزال موجودة داخل البلدة رغم الظروف الأمنية الصعبة، لافتًا إلى أن القرى الحدودية تعيش حالة فراغ اجتماعي غير مسبوق.
طقوس باقية رغم الحزن
في بلدة شبعا، تحاول المسنّة رسمية زغبي، البالغة من العمر 83 عامًا، الحفاظ على طقوس العيد التقليدية، حيث تواصل إعداد كعك العيد رغم الأجواء العامة التي يطغى عليها القلق والحزن.
وقالت زغبي إن الأعياد “يجب أن تبقى مناسبة للخير والدعاء بعودة الناس إلى بيوتها”، في تعبير يلخص تمسك أهالي القرى الحدودية بما تبقى من طقوس الحياة، وسط حرب جعلت عيد الأضحى هذا العام أقرب إلى محطة انتظار ثقيلة منها إلى مناسبة للفرح.


