
في زمنٍ أصبحت فيه السياسة عند كثيرين فنَّ الصمت، والنجاة الشخصية، والحسابات الباردة، برز اسم وليد الطبطبائي بوصفه نموذجًا مختلفًا للبرلماني الذي لم يحصر نفسه في الملفات المحلية الضيقة، بل حمل همَّ الأمة الإسلامية في قلبه، وربط موقعه النيابي بقضايا العقيدة والحرية والكرامة والهوية.
لم يكن حضوره مجرد حضور نائبٍ تحت قبة البرلمان، بل كان صوتًا سياسيًا وإعلاميًا ودعويًا وفكريًا، تحوّل مع الوقت إلى حالةٍ تعبّر عن تيار واسع يرى أن البرلماني المسلم لا ينبغي أن يكون موظفًا سياسيًا، بل شاهدًا على قضايا أمته، مدافعًا عن المظلومين، ومواجهةً لمحاولات طمس الهوية الإسلامية أو التطبيع مع الظلم والانحراف.
“من الدعوة إلى البرلمان.. فلسطين وثورات الربيع العربي”
ينتمي وليد الطبطبائي إلى المدرسة الإسلامية الحركية ذات الامتداد الدعوي والفكري في الخليج، وتأثر مبكرًا بالخطاب الإسلامي الإصلاحي الذي جمع بين العمل العام، والدعوة، والاهتمام بقضايا الأمة الكبرى.
ولم يدخل الحياة السياسية بوصفها سلّمًا للمكاسب أو الوجاهة، بل دخلها امتدادًا لمشروع إصلاحي يرى أن الأمة تحتاج إلى رجالٍ يواجهون التغريب، والاستبداد، والفساد، والتبعية، وأن البرلمان يجب أن يكون منبرًا للدفاع عن الناس وقضاياهم، لا مجرد مساحة للتوازنات السياسية.
ومنذ ظهوره، عُرف بخطابه المباشر، ولهجته الواضحة، وجرأته في تناول الملفات الحساسة، حتى أصبح أحد أبرز الوجوه الإسلامية البرلمانية في الكويت خلال السنوات الماضية، حقا إنه مسار رجلٍ حمل الفكرة قبل المنصب.
لم تغب القضية الفلسطينية عن خطابه، إذا ذُكر وليد الطبطبائي، ذُكرت فلسطين.
فالرجل لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا سياسيًا خارجيًا، بل باعتبارها قضية عقيدة وهوية ومركزية في مشروع الأمة الإسلامية.
وكان من الأصوات الخليجية البارزة التي واجهت مشاريع التطبيع مبكرًا، ورفضت محاولات إعادة تشكيل الوعي الإسلامي بحيث تصبح فلسطين قضية هامشية أو قابلة للمساومة.
وفي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بخطابات الترف السياسي، كان الطبطبائي حاضرًا في ساحات الدعم الشعبي لفلسطين، مدافعًا عن المقاومة، رافضًا للحصار، ومنددًا بجرائم الاحتلال.
ولم يكن ذلك مجرد خطاب عاطفي، بل موقفًا كلّفه الكثير من الاستهداف والهجوم الإعلامي والسياسي.
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي، كان وليد الطبطبائي من الأصوات التي دعمت حق الشعوب في الحرية والكرامة ورفض الاستبداد.
وقد اتخذ مواقف حادة وواضحة تجاه الانقلابات العسكرية، والقمع السياسي، وملفات المعتقلين، وهو ما جعله عرضة لحملات سياسية وإعلامية واسعة، خاصة مع التحولات الإقليمية التي أعادت إنتاج أنظمة القمع تحت عناوين “الاستقرار” و”مواجهة الإسلاميين”.
لكن اللافت في تجربته أنه لم يكن من أولئك الذين يبدّلون خطابهم مع تغيّر الموازين، بل ظل متمسكًا بخطابه العام، حتى حين أصبح الثمن أكبر، والمساحات أضيق.
الدفاع عن الحركة الإسلامية… حين أصبح الانتماء تهمة
في مرحلةٍ تعرضت فيها الحركات الإسلامية لحملات شيطنة وتجريف غير مسبوقة، وقف الطبطبائي مدافعًا عن حق الإسلاميين في العمل السياسي والدعوي، وعن حق الشعوب في اختيار من يمثلها.
ولم يكن دفاعه دفاعًا تنظيميًا ضيقًا، بل دفاعًا عن فكرة: أن الإسلام لا يجوز أن يُقصى عن الحياة العامة، وأن الحركات الإسلامية – رغم أخطائها – تبقى جزءًا من هوية الأمة ومشروعها الحضاري.
وفي وقتٍ كان كثيرون يفرّون من أي اقتراب من “الإسلام السياسي” خوفًا من الاستهداف، بقي الرجل يعبّر عن مواقفه بوضوح، وهو ما جعل حضوره يتجاوز الكويت إلى دوائر أوسع في العالم العربي والإسلامي.
تميز الطبطبائي بالجرأة في مواجهة التطبيع والانحراف الثقافي. فلم يتوقف حضوره عند الملفات السياسية الكبرى، بل كان حاضرًا أيضًا في قضايا الهوية والقيم والأخلاق العامة.
فقد عُرف بمواقفه الرافضة لمشاريع التغريب، ومحاولات تفكيك البنية القيمية للمجتمعات الإسلامية، والهجوم على الثوابت الشرعية تحت عناوين “الحداثة” و”الحرية الفردية”.
كما كان من الأصوات الرافضة للتطبيع الثقافي والإعلامي مع الاحتلال، واعتبر أن أخطر ما يواجه الأمة ليس فقط الاحتلال العسكري، بل إعادة تشكيل وعي الأجيال بحيث تفقد حساسيتها تجاه قضاياها الكبرى.
لماذا يُستهدف أصحاب المواقف؟
التاريخ يعلمنا أن أصحاب المواقف الصلبة غالبًا ما يكونون الأكثر تعرضًا للاستهداف.
فالأنظمة قد تتحمل المعارض الصامت، لكنها لا تتحمل الصوت المؤثر. وقد تتعايش مع النقد البارد، لكنها تنزعج ممن يربط السياسة بالعقيدة، والحرية بالكرامة، وفلسطين بضمير الأمة.
ولهذا، فإن استهداف الرموز الحرة ليس مجرد خلاف سياسي، بل جزء من محاولة أوسع لإنتاج مشهدٍ عربي وإسلامي منزوع الروح، منزوع الجرأة، منزوع القدرة على قول “لا”.
ولهذا أيضًا، يصبح الدفاع عن هؤلاء دفاعًا عن المساحة المتبقية للكلمة الحرة.
أين نواب الأمة؟ وأين الإسلاميون؟ وأين السياسيون حول العالم؟
السؤال المؤلم اليوم ليس فقط: ماذا يحدث لوليد الطبطبائي؟ بل: أين بقية الأصوات؟
أين البرلمانيون حول العالم الذين طالما تحدثوا عن نصرة المظلوم؟ أين الأحزاب والتيارات السياسية التي رفعت شعارات الحرية والكرامة؟ أين العلماء والدعاة والنخب؟
إن أخطر ما يصيب الأمة ليس فقط ظلم الظالم، بل صمت القادرين على الاعتراض.
فالخذلان حين يتحول إلى حالة عامة، يُنتج أجيالًا تخشى الكلمة، وتتجنب الموقف، وتبحث عن النجاة الفردية بدل الواجب الجماعي.
ما الذي يمثله وليد الطبطبائي اليوم؟
يمثل وليد الطبطبائي فكرة أكثر من كونه شخصًا.
يمثل بقايا ذلك النموذج الذي يرى أن البرلماني يمكن أن يكون صاحب رسالة، لا مجرد سياسي محترف. وأن الدفاع عن الأمة ليس ترفًا إعلاميًا، بل واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا. وأن فلسطين ليست عبئًا سياسيًا، بل معيارًا أخلاقيًا يكشف صدق المواقف.
ولذلك، فإن التضامن معه ليس مجرد تضامن مع فرد، بل مع قيمة: قيمة الثبات على المبدأ حين تتغير المواقف. وقيمة الجهر بالحق حين يختار كثيرون الصمت. وقيمة الانحياز للأمة في زمن التفكك والخوف.
“الكلمة الأخيرة”
قد يختلف الناس مع وليد الطبطبائي في بعض الاجتهادات أو التفاصيل السياسية، لكن المنصف لا يستطيع إنكار أنه كان من الأصوات القليلة التي بقيت تحمل همَّ الأمة علنًا، وتدفع ثمن مواقفها دون مواربة.
وفي زمن الانسحابات الكبرى، يصبح وجود أصحاب المواقف ضرورة للأمة، حتى لا يتحول الصمت إلى ثقافة، والخوف إلى منهج، والتطبيع مع الظلم إلى واقعٍ معتاد.
فالأمم لا يحفظ كرامتها الصامتون…
بل يحفظها أولئك الذين يقولون كلمة الحق، ثم يتحملون ثمنها.







