مصر

الأكاديمية العسكرية ترفض تعيين 105 من أبناء القضاة.. الجميع يريد توريث المناصب

أثارت أزمة استبعاد عدد من أبناء القضاة والمستشارين من التعيين في الهيئات القضائية، بعد رسوبهم في اختبارات الأكاديمية العسكرية، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط القضائية في مصر، خاصة بعدما كشفت تقارير صحفية أن عدد المستبعدين هذا العام بلغ 105 مرشحين من دفعات النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية.
وتأتي هذه الأزمة للعام الثاني على التوالي، وسط تذمر متزايد داخل بعض الدوائر القضائية من ربط استكمال إجراءات التعيين في الهيئات القضائية باجتياز اختبارات ودورات ذات طابع عسكري.
وتُعد الاختبارات العسكرية حاليًا شرطًا أساسيًا لاستكمال إجراءات التعيين في عدد من مؤسسات الدولة، بما فيها بعض الجهات القضائية، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
فالأزمة، وفق ما نُقل عن مصادر قضائية، لا تتعلق فقط برسوب عدد من المتقدمين، وإنما بطبيعة المعايير نفسها، التي يرى قضاة أنها تمس استقلال القضاء وتفرض على وظيفة قضائية مدنية معايير لا تتناسب مع طبيعتها.

التعيين بين التفوق القانوني والاختبارات العسكرية

قبل صدور التوجيهات الحكومية المتعلقة باشتراط اجتياز دورات الأكاديمية العسكرية لاستكمال إجراءات التعيين، كانت التعيينات القضائية تعتمد، بحسب ما يؤكد قضاة، على التفوق العلمي، والمقابلات الشخصية، والتحريات الأمنية، وموافقة المجالس القضائية المختصة.
لكن المسار الجديد أدخل عنصرًا مختلفًا على منظومة الاختيار، حيث باتت اختبارات اللياقة البدنية والكشوف الطبية ومعايير الوزن والنظر والسلوك جزءًا من بوابة العبور إلى بعض الوظائف القضائية.
وبحسب ما ورد في التقارير المتداولة، شملت أسباب الاستبعاد عدم التوافق مع معايير الوزن المثالي، وضعف اللياقة البدنية أو النظر، إلى جانب اعتبارات أمنية وسلوكية.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل وظيفة القاضي تحتاج فعلًا إلى معايير بدنية وعسكرية، أم أن جوهرها يقوم على العلم القانوني، والنزاهة، والقدرة على التحليل، والاستقلال في إصدار الأحكام؟

وظيفة القاضي ليست وظيفة عسكرية

في أزمة تعيينات القضاة نحن أمام مشكلة من شقين؛ الأول يتعلق بفرض معايير عسكرية على وظيفة قضائية، رغم أن طبيعة عمل القاضي تختلف جذريًا عن طبيعة العمل داخل المؤسسات العسكرية.
فمعيار الوزن المثالي، مثلًا، قد يكون ضروريًا لضابط في القوات المسلحة، بحكم طبيعة التدريب والمهام الميدانية والقتالية، لكنه لا يبدو معيارًا منطقيًا للحكم على صلاحية شخص للعمل في القضاء.
ما المشكلة أن يكون القاضي زائد الوزن؟ وما علاقة ذلك بقدرته على قراءة أوراق الدعوى، وفهم النص القانوني، وتقدير الأدلة، وصياغة حكم عادل؟
تاريخيًا، عرف القضاء المصري والعربي قضاة كبارًا لم تكن اللياقة البدنية أو الوزن أو حدة النظر هي معيار تميزهم، وإنما كان معيارهم الحقيقي هو العلم، والضمير، والقدرة على الفصل بين الخصوم باستقلال ونزاهة.
وكذلك الأمر بالنسبة لضعف النظر؛ فلا توجد قاعدة منطقية تقول إن القاضي يجب أن يكون حاد البصر بلا نظارة، بينما جوهر وظيفته قائم على البصيرة القانونية لا على المواصفات البدنية.
العمل القضائي يقوم في أساسه على الكفاءة القانونية والفكرية، وعلى النزاهة والاستقلال والقدرة على إصدار أحكام مؤسسة على القانون، ولا علاقة له بالقدرات البدنية أو العسكرية.

مراكز تدريب قضائية قائمة بالفعل

الأكثر إشكالًا أن الهيئات القضائية تمتلك بالفعل مراكز تدريب قانونية متخصصة لتأهيل المعينين الجدد، وهو ما يجعل فرض مسار تدريبي عسكري على القضاة الجدد أمرًا غير مفهوم من الناحية المهنية.
فالقاضي يحتاج إلى تأهيل في فنون التحقيق، وصياغة الأحكام، وفهم القوانين، وإدارة الجلسات، واستيعاب الضمانات الدستورية، وليس إلى اختبار لياقة بدنية أو تدريب لا يتصل مباشرة بطبيعة عمله.
ومن هنا يبدو اعتراض بعض القضاة مفهومًا حين يرون أن إخضاع التعيينات القضائية لمسار خارج البنية القضائية ذاتها قد يفتح الباب لمساس مباشر أو غير مباشر باستقلال القضاء.
لكن هذا الاعتراض المشروع على عسكرة معايير التعيين لا يلغي الشق الثاني من الأزمة، وهو شق لا يقل خطورة، ويتعلق بتوريث الوظائف داخل الهيئات القضائية.

توريث المناصب يضرب تكافؤ الفرص

الشق الثاني من المشكلة يتعلق بتعيين أبناء القضاة، بعدما اعتادت بعض الأوساط القضائية على مدار عقود فكرة الوراثة الوظيفية، حتى بدا القضاء وهيئاته في نظر قطاعات واسعة من الناس كأنها مجال مغلق على عائلات بعينها.
وهنا تصبح الأزمة مزدوجة؛ فمن جهة هناك رفض مبدئي لتدخل المسار العسكري في اختيار القضاة، ومن جهة أخرى هناك غضب شعبي مكتوم من استمرار الامتيازات العائلية داخل مؤسسات يفترض أنها عنوان العدالة وتكافؤ الفرص.
فكما أن تعيينات الأكاديمية العسكرية للقضاة تمس مبدأ استقلال القضاء، فإن تعيين أبناء القضاة وأقاربهم على حساب آلاف الخريجين المتفوقين يمس مبدأ تكافؤ الفرص.
ولا يمكن لأي مؤسسة أن تطلب تعاطف الرأي العام معها في معركة الاستقلال، بينما تبدو في الوقت نفسه مغلقة أمام أبناء الناس، أو خاضعة لمنطق القرب العائلي والاجتماعي.

لماذا ضعف التعاطف الشعبي؟

في تقديرنا، فإن تحويل السلك القضائي إلى ما يشبه الإقطاعية الخاصة ببعض العائلات حرم القضاء من إحدى أهم أدوات قوته، وهي التعاطف الشعبي.
فالشعب الذي يرى أبناءه من خريجي كليات الحقوق محرومين من فرص عادلة في الالتحاق بالنيابة والهيئات القضائية، يصعب عليه أن يتفاعل بقوة مع غضب أبناء القضاة حين يُستبعدون من المسار نفسه.
لقد خلق توريث الوظائف شعورًا شعبيًا بعدم الثقة في عدالة التعيينات، وأضعف صورة المؤسسة القضائية في لحظة تحتاج فيها إلى حماية المجتمع ودعمه.
وهذا ما يجعل الأزمة الحالية كاشفة لا منشئة؛ فهي لم تصنع مشكلة القضاء مع الرأي العام، لكنها أظهرت حجم الفجوة بين مؤسسة تطالب باستقلالها، ومجتمع يشعر أن أبوابها لم تكن مفتوحة أمامه بالقدر الكافي.

الأزمة سياسية قبل أن تكون قانونية

بدأت تحركات داخل بعض الهيئات القضائية لتقديم شكاوى وتظلمات، مع دراسة إمكانية اللجوء إلى القضاء للطعن على قرارات استبعاد المتقدمين، لكن السؤال الأهم هو: هل يكفي المسار القانوني وحده لإنهاء الأزمة؟
الإجابة تبدو صعبة، لأن الأزمة في جوهرها سياسية ومؤسسية، وليست مجرد نزاع إداري حول نتيجة اختبار أو كشف طبي.
المعركة الحقيقية تتعلق بمن يملك سلطة اختيار القاضي، وما المعايير التي تحكم هذا الاختيار، وهل يظل القضاء سلطة مستقلة قائمة بذاتها، أم يتحول تدريجيًا إلى مؤسسة خاضعة لاختبارات ومعايير تفرضها السلطة التنفيذية.
لكن في المقابل، لا يمكن للقضاة خوض هذه المعركة بمعزل عن الناس، ولا يمكنهم استعادة قوة المؤسسة القضائية دون مصالحة حقيقية مع مبدأ تكافؤ الفرص.

عودوا إلى الشعب ينصركم

للأسف، ما يحدث اليوم هو تداعٍ متوقع لمسار طويل أغلقت فيه السلطة القضائية أبوابها أمام مئات الآلاف من أبناء الشعب من خريجي كليات الحقوق، لصالح أبناء القضاة وأقارب القضاة ودوائر النفوذ.
وحين تضعف مؤسسة ما شعبيًا، تصبح أكثر هشاشة أمام السلطة، وأكثر عرضة لأن تُفرض عليها شروط لا تملك وحدها القدرة على مقاومتها.
الأمل الأخير للقضاة أن يعيدوا بناء الثقة العامة في القضاء كله، وأن يثبتوا للناس أن معركتهم ليست من أجل أبناء القضاة فقط، بل من أجل استقلال العدالة وفتح أبوابها على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص.
فبدون ثقة الشعب في المؤسسة القضائية، وبدون دعم الرأي العام للقضاة في مواجهة أي محاولة لسلب ما تبقى من استقلالهم، سيخسر القضاة السند الشعبي مجانًا وحتى إشعار آخر.
عودوا إلى الشعب ينصركم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى