المستشار ممتاز نصار.. قاضٍ من البداري دافع عن استقلال القضاء وواجه كامب ديفيد تحت قبة البرلمان

يُعد المستشار ممتاز نصار، رئيس نادي قضاة مصر الأسبق، واحدًا من أبرز أعلام القضاء المصري والعمل السياسي والبرلماني، واسمًا بارزًا من أبناء مركز البداري بمحافظة أسيوط، حيث ارتبط اسمه بالدفاع عن استقلال القضاء، وبمواقف سياسية وبرلمانية ظلّت حاضرة في الذاكرة الوطنية.
ولد ممتاز نصار في مركز البداري بمحافظة أسيوط، في 9 نوفمبر 1912، وحصل على شهادتي الكفاءة والبكالوريا في عامي 1927 و1932 بأسيوط، قبل أن ينتقل إلى القاهرة لدراسة القانون في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، التي أصبحت لاحقًا جامعة القاهرة.
وبعد حصوله على ليسانس الحقوق، بدأ ممتاز نصار حياته المهنية في المحاماة داخل مكتب المناضل الراحل مكرم عبيد، سكرتير الوفد آنذاك، مفضلًا العمل بالمحاماة رغم أن ترتيبه عند التخرج كان يسمح له بالالتحاق بهيئة النيابة العامة.
استمر نصار في العمل بالمحاماة لمدة ست سنوات، قبل أن ينتقل إلى السلك القضائي، حيث تدرج من النيابة إلى القضاء ثم التفتيش القضائي، حتى شغل منصب مستشار بمحكمة الاستئناف، ثم مستشارًا بمحكمة النقض.
من المحاماة إلى رئاسة نادي القضاة
خلال مسيرته القضائية، تقدم ممتاز نصار للترشح لعضوية مجلس إدارة نادي القضاة، وانتخب عضوًا بمجلس إدارة النادي عام 1947، ثم سكرتيرًا للنادي في العام نفسه، واستمر في موقعه حتى عام 1962.
وفي عام 1962، انتُخب رئيسًا لنادي القضاة، وظل في هذا المنصب حتى عام 1969، وهي الفترة التي شهدت واحدة من أبرز الأزمات في تاريخ القضاء المصري، والمعروفة باسم “مذبحة القضاة”.
في تلك المرحلة، تعالت الأصوات المطالبة بانضمام القضاة إلى الاتحاد الاشتراكي، ليكونوا تحت مظلة الدولة، وتم استدعاء ممتاز نصار لمقابلة وزير العدل وقتها المستشار عصام حسونة، الذي طلب منه رسميًا الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، وعرض عليه موقع أمانة القضاء بالحزب.
لكن ممتاز نصار رفض العرض بشدة، انطلاقًا من قناعته بأن القضاة يجب أن يبقوا مستقلين، وأن القضاء ليس تابعًا لأي سلطة سياسية، بل هو ملك للشعب وضمانة للعدالة.
موقفه من استقلال القضاء
ارتبط اسم ممتاز نصار بالدفاع عن استقلال القضاء في لحظة دقيقة من تاريخ مصر، بعدما رفض محاولات إدخال القضاة في العمل الحزبي والتنظيم السياسي الرسمي، معتبرًا أن استقلال القاضي شرط أساسي لحماية العدالة.
وقد ترك هذا الموقف أثرًا عميقًا في ذاكرة نادي القضاة، حيث ظل اسمه حاضرًا بين رموز القضاء الذين دافعوا عن استقلال السلطة القضائية، ورفضوا تحويل القضاة إلى جزء من التنظيم السياسي الحاكم.
تجربة سياسية بعد الخروج من القضاء
بعد خروجه من القضاء وعودته إلى المحاماة، خاض ممتاز نصار تجربة العمل السياسي، فترشح لعضوية مجلس الشعب لأول مرة عن دائرة البداري عام 1976، ونجح في الفوز بأول معركة انتخابية برلمانية في حياته.
وخلال وجوده تحت قبة البرلمان، عُرف نصار بمواقفه القوية ومعارضته الصريحة، وكان من بين النواب الذين تصدوا لعدد من السياسات العامة، كما برز اسمه في مقدمة المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد.
وبعد حل مجلس الشعب عام 1979، قبل أن يكمل مدته الدستورية، على خلفية معارضة عدد من النواب لاتفاقية كامب ديفيد، كان ممتاز نصار في مقدمة هؤلاء النواب الرافضين للاتفاقية.
ورغم ذلك، أعاد ترشيح نفسه في الانتخابات التالية عن دائرة البداري بمحافظة أسيوط، وسط التفاف شعبي واسع من أبناء دائرته، الذين حرصوا على حماية صناديق الانتخابات ومرافقتها حتى إتمام عملية الفرز.
ابن البداري الذي بقي في ذاكرة البرلمان
وقف رجال دائرة البداري مع ابن دائرتهم ممتاز نصار، وحرسوا صناديق الانتخابات بأجسادهم، ومنعوا محاولات التلاعب بها، حتى أُعلنت النتيجة بفوزه، ليبقى الفائز الوحيد بعضوية مجلس الشعب من بين المجموعة التي رفضت اتفاقية كامب ديفيد آنذاك.
وبهذا الموقف، تحوّل ممتاز نصار إلى رمز قضائي وبرلماني في آن واحد؛ فقد جمع بين صلابة القاضي، وجرأة السياسي، ووفاء ابن الصعيد لدائرته، وحرصه على التعبير عن قناعاته الوطنية مهما كانت التكلفة.
رحم الله المستشار ممتاز نصار، أحد أعلام القضاء المصري، وأحد أبرز أبناء البداري، ورمزًا من رموز الدفاع عن استقلال القضاء والموقف الوطني داخل البرلمان.







