إطلاق كتاب سرديات الحرب لتوثيق تجارب النساء اليمنيات خلال عشر سنوات

شهدت مدينة تعز جنوب غرب اليمن حفل إشهار وتوقيع كتاب “سرديات الحرب من وجهة نظر النساء” في خطوة تهدف لتوثيق ذاكرة الصراع بأقلام نسائية. يوثق هذا العمل الأدبي المعاناة والنزوح والآثار النفسية والصدمات التي خلفتها الحرب خلال الفترة الممتدة من 2015 وحتى 2026. يعد الكتاب نتاج مشروع ثقافي مكثف نفذته مؤسسة “سطور” للتنمية الثقافية ضمن مبادرة مراكز اليمن الإبداعية لتدريب الكاتبات.
تضمن المشروع تدريب وتأهيل 30 كاتبة من مختلف المدن اليمنية ليثمر في ختامه عن توقيع هذا العمل الأدبي الجماعي الذي يضم أكثر من 20 نصا سرديا. تسعى هذه النصوص إلى تخليد شهادات حية وتجارب إنسانية دقيقة عاشتها النساء اليمنيات خلال سنوات الحرب الطويلة. ركز المشروع على سد الفجوة الناتجة عن غياب المنصات الثقافية والورش التدريبية التي تدعم الإبداع النسوي في ظل الظروف الصعبة التي تشهدها البلاد منذ عام 2015.
تمكين الأصوات النسائية وتوسيع نطاق المبادرة الثقافية
أوضحت حنين الأغواني مديرة مؤسسة “سطور” للتنمية الثقافية أن المؤسسة تعمل على تمكين النساء ثقافيا وفي مجال الإدارة الثقافية لإبراز قصصهن عبر الفنون والأدب. استهدف النطاق الجغرافي للمشروع مدينة تعز في البداية لكن الإقبال الشديد دفع المؤسسة لتوسيع الدائرة لتشمل 30 كاتبة من مدن صنعاء وعدن وإب والمكلا. أكدت الأغواني أن المؤسسة وضعت معايير دقيقة لاختيار المشاركات عبر استمارة إلكترونية ركزت على وجود نصوص سابقة عن الحرب.
تلقى القائمون على المشروع نصوصا تعود بداياتها إلى عامي 2015 و2016 وتتمحور حول قضايا النزوح والقصف والجوع والمشاعر الإنسانية المعقدة. بينت الأغواني أن إدخال أصوات من خارج مدينة تعز كان تحديا تم التغلب عليه لإيمان المؤسسة بضرورة تلاقح التجارب بين المدن. يعد هذا التدريب الأول من نوعه الذي يركز على دعم الكاتبات والشاعرات في زمن الحرب في ظل غياب شبه كامل للورش والمنصات الثقافية المماثلة التي تتيح مساحة للتعبير.
توثيق المعاناة المنسية ودور الكتاب في الدعم النفسي
أكدت المهندسة المعمارية بشرى الأغبري على الأهمية البالغة لهذه الأنشطة في توثيق قصص مخفية لنساء وعائلات عانت الأمرين دون أن يلتفت إليها أحد. أشارت الأغبري إلى أن أهمية هذه الفعاليات تكمن في تعريف المجتمع بالسرديات الإنسانية التي تسببت بصدمات ومعاناة نفسية عميقة للأسر قد تمتد لسنوات قادمة. يمثل هذا العمل رافعة ودعما نفسيا للفئات المتضررة والمهمشة التي فقدت أحباءها بسبب ظروف الحرب التي استمرت أكثر من 10 سنوات.
اعتبرت المعالجة النفسية ريم العبسي أن مشروع سرديات يتجاوز كونه عملا ثقافيا ليصبح مساحة آمنة للنساء للتحدث والتعبير عن معاناتهن بحرية. أضافت العبسي أن التعافي من الصدمات يحتاج بالدرجة الأولى إلى مساحات تمنح الأفراد القدرة على التعبير وإعادة صياغة الأحداث التي مروا بها لإيجاد معنى جديد للحياة. يساهم هذا التوجه في تخفيف الآثار النفسية العميقة التي تركتها الحرب على الأسر والنساء اليمنيات بشكل خاص في ظل انعدام سبل الدعم المباشر.
تطوير أدوات التعبير وتخليد ذاكرة الحرب اليمنية
تحدثت المشاركات في المشروع عن الأثر المعرفي والنفسي للتجربة حيث أشارت الكاتبة تسنيم المروني إلى أن مشاركتها في سرديات كانت الأكثر إثمارا مقارنة بتجاربها السابقة. أوضحت المروني أن الحراك الأدبي تعرض للشتات والنزوح بفعل الحرب مؤكدة أن التدريب أحدث فرقا كبيرا في مستواها الكتابي. ساهم البرنامج في تحسين أدواتها وخلق توازن موضوعي وفكري في النصوص التي تكتبها وهو ما يخدم توثيق الذاكرة الجمعية من وجهة نظر نسائية.
عبرت الكاتبة حنين عقلان خريجة بكالوريوس صيدلة عن شغفها بالكتابة منذ الطفولة وكيف تحولت هذه الموهبة خلال الحرب إلى وسيلة لمقاومة الواقع المعاش. نوهت عقلان بأن مؤسسة “سطور” وفرت البيئة الحاضنة التي كانت تفتقدها الكاتبات. حول نصها المشارك في الكتاب الذي يحمل عنوان “رصاصة في الذاكرة” قالت عقلان إن النص يسلط الضوء على الآثار النفسية للحرب ويحكي عن أولئك الذين فقدوا هوياتهم وشغفهم وأحلامهم وذكرياتهم خلال سنوات الصراع.
أعربت حنين عقلان عن أملها في أن تجد كتاباتها المكدسة طريقها إلى النور داعية إلى إتاحة الفرصة للجميع للتعبير بمختلف وسائل الفن والأدب. اعتبرت أن الرسم والغناء والمسرح والكتابة أدوات أساسية لاستعادة التوازن النفسي والهوية المفقودة في ظل الحرب. يظل هذا العمل الأدبي وثيقة هامة تعكس جزءا من الوجع اليمني وتمنح النساء صوتا مسموعا لتروي قصص التحدي والبقاء.





