أزمة النظام الصحي في إيران وتحديات الوصول إلى الرعاية الطبية

تُشكل الأزمات المتلاحقة التي يواجهها القطاع الطبي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحدياً وجودياً يضع آمال المواطنين في الحصول على العلاج أمام منعطف خطر ومثير للجدل. وتكشف المعطيات الميدانية أن منظومة الرعاية الصحية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية باتت تعاني من فجوات هيكلية واسعة. وتتفاقم أزمة الوصول إلى الخدمات العلاجية الأساسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نتيجة نقص التمويل المزمن وتمركز الكوادر الطبية في المناطق الحضرية الكبرى. وتؤكد مؤشرات الواقع أن النظام الصحي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يبتعد تدريجياً عن كونه حقاً إنسانياً ليصبح امتيازاً طبقياً لا يدركه إلا المقتدرون. وتظل أزمة القطاع الطبي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية انعكاساً مباشراً لسياسات إدارية تعجز عن سد الاحتياجات المتزايدة للسكان في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.
تتجاوز التحديات الصحية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد نقص الموارد لتصل إلى مستوى الانهيار في كفاءة التوزيع الجغرافي للمراكز الطبية التخصصية. وتكشف الإحصاءات أن نحو 52% من الأطباء الاختصاصيين يتركزون في أربع محافظات فقط، مما يحرم سكان المناطق النائية من حقهم في الرعاية. وتتفاقم هذه الفجوة مع هجرة نحو 6500 طبيب وممرض خلال عامي 2022 و2023. وتؤدي هذه الهجرة إلى إضعاف البنية التحتية الطبية الوطنية، وتجعل من الحصول على طبيب مختص رحلة شاقة للمواطن البسيط.
تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية عجزاً حاداً في توفير الأدوية الأساسية الضرورية لاستمرار حياة آلاف المرضى في مختلف أنحاء البلاد. وتفيد التقارير الميدانية بأن هناك نقصاً في ما لا يقل عن 300 نوع من الأدوية، مع انعدام تام لنحو 100 صنف دوائي. ويصاحب هذا النقص ارتفاع في أسعار بعض العقاقير بنسبة تصل إلى 400% خلال الشهرين الأخيرين. وتطال هذه الأزمة الحادة أدوية الأمراض المزمنة والسرطان وزراعة الأعضاء، مما يضع المرضى في مواجهة مباشرة مع خطر فقدان العلاج.
تراكمت الديون المستحقة لشركات التأمين لصالح الصيدليات لتصل إلى مبالغ تتراوح بين 500 مليار و4 تريليونات ريال، وهو ما أدى إلى تجفيف السيولة المالية لدى الصيدليات. وتضطر هذه الصيدليات نتيجة لتأخر المستحقات إلى التوقف عن توريد الأصناف الدوائية الحيوية، مما يترك المرضى فريسة للسوق السوداء. ويجد المريض نفسه مضطراً لدفع مبالغ طائلة أو الحصول على وصفة ناقصة لا تلبي احتياجاته الصحية الفعلية، مما يحول العلاج إلى عبء مالي لا يطاق.
يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أوضاعاً معيشية وصحية بالغة القسوة في ظل غياب الحماية الكافية. ويبلغ عدد ذوي الإعاقة نحو 9.8 ملايين شخص، إلا أن 1.6 مليون فقط منهم يحصلون على دعم من منظمة الرعاية الاجتماعية. وتكشف البيانات أن نحو 60% منهم يعانون من البطالة، بينما لا يتجاوز معاش الإعاقة الشديدة 30 مليون ريال شهرياً. وتتسع هذه الفجوة عند مقارنتها بخط الفقر الذي يتراوح بين 300 و700 مليون ريال.
تفتقر معظم المنشآت الطبية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى التجهيزات الضرورية لاستقبال ذوي الإعاقة، مما يمنعهم من الحصول على الخدمات الصحية بشكل مستقل. وتغيب المنحدرات والمصاعد المناسبة في كثير من المراكز الصحية، بينما يعاني الصم من غياب مترجمي لغة الإشارة. ويؤدي هذا الإقصاء المنهجي إلى حرمان قطاعات واسعة من المجتمع من الرعاية الضرورية. وتظل هذه الظروف عائقاً أمام الاندماج الاجتماعي والمهني لهذه الفئة التي تواجه تهميشاً مستمراً في كافة مفاصل الحياة اليومية.
تتضح قسوة المشهد الطبي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عند رصد واقع المستشفيات التي تعاني من نقص حاد في المعدات والأطقم الطبية. وتتفاقم المعاناة في ظل غياب الرقابة الفعالة، حيث يضطر المرضى للانتظار في الممرات لعدم توفر الأسرّة. وتتسبب السياسات التمويلية غير المتوازنة في تعطيل خطط التطوير الموعودة، مما يبقي النظام الصحي رهينة للوعود المؤجلة. وتظل الحاجة إلى إصلاحات جذرية ضرورة حتمية لضمان حق المواطنين في العلاج ووقف نزيف الهجرة الطبية وتحسين كفاءة الخدمات الصحية.







