أزمة الانقطاع المدرسي في تونس وتأثيرها على مستقبل الفتيات بالمناطق الريفية

تواجه الجمهورية التونسية تحديات جسيمة تتعلق بملف الانقطاع المدرسي الذي يمثل أزمة متواصلة تهدد مستقبل أجيال كاملة في ظل واقع تعليمي صعب ومعقد. وتبرز هذه الظاهرة كعائق رئيسي أمام التنمية البشرية حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن ولايات مثل القصرين تعاني من نسب مرتفعة من التسرب الدراسي خاصة في صفوف الفتيات اللواتي يواجهن ظروفاً اجتماعية واقتصادية قاسية تعيق استمرارهن في التحصيل العلمي وتدفع بهن نحو ترك مقاعد الدراسة مبكراً.
ضغوط المنظومة التربوية وتحديات البيئة المدرسية
تؤكد الطالبة سوار الهمامي أن الجمهورية التونسية تعاني من نقص ملحوظ في عدد المدارس والجامعات لا سيما في المناطق الداخلية مما يخلق ضغطاً هائلاً على الأقسام المكتظة التي تثقل كاهل التلاميذ. وتوضح أن اليوم الدراسي الطويل الذي يعتمد غالباً على نظام الحصتين يمتد لساعات مرهقة مما يولد حالة من النفور لدى الطلبة ويسهم في ارتفاع نسب الانقطاع المدرسي بشكل غير مباشر ومثير للقلق في العديد من المؤسسات التعليمية.
تشدد سوار الهمامي على أن وزارة التربية في الجمهورية التونسية تتحمل مسؤولية مباشرة في ضرورة تقليص ساعات الدراسة المرهقة وتوفير نوادي أنشطة داخل المدارس لتخفيف الضغط النفسي عن التلاميذ. وتضيف أن الأنشطة الموازية مثل الرياضة والموسيقى يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تنمية المهارات ومنح فرصة للتألق الأكاديمي أو المهاراتي لمن يواجهون صعوبات في الفصول الدراسية مما يقلل من معدلات الفشل والانسحاب من المسار التعليمي.
معوقات البنية التحتية والتمييز الاجتماعي
توضح الطالبة درصاف رحموني أن الانقطاع المدرسي لا يقتصر على جهة دون أخرى بل يمثل أزمة وطنية كبرى في الجمهورية التونسية حيث تتركز أسباب التسرب في الأرياف نتيجة ضعف البنية التحتية وصعوبة الظروف المعيشية. وتشير إلى أن غياب وسائل النقل الآمنة واضطرار التلاميذ لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم يمثل عاملاً حاسماً في اتخاذ العائلات لقرار إخراج أبنائهم من المنظومة التعليمية لتجنب المخاطر وتوفير نفقات التنقل الباهظة.
تضيف درصاف رحموني أن الفكر الاجتماعي السائد في بعض المناطق الذي يفضل الذكور على الإناث يمثل عقبة إضافية أمام الفتيات اللواتي يتم إجبارهن على ترك الدراسة. وترى أن ضرورة تغيير هذه العقلية المتوارثة التي تحصر دور الفتاة في الأعمال المنزلية أمر حيوي خاصة أن العديد من الفتيات أثبتن قدرة فائقة على النجاح المهني والاجتماعي وتغيير واقع عائلاتهن نحو الأفضل إذا توفرت لهن الظروف الملائمة للدراسة والتعلم المستمر.
تقترح درصاف رحموني ضرورة تدخل الحكومة في الجمهورية التونسية لتقديم منح مالية ومساعدات مخصصة للفتيات في المناطق الريفية للتغلب على تكاليف التسجيل والمستلزمات الدراسية. وتؤكد أن تطبيق مجانية التعليم العمومي يظل منقوصاً ما لم يرافقه دعم مادي مباشر للعائلات الفقيرة التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين تأمين متطلبات العيش الأساسية وبين الاستمرار في تعليم الأبناء في ظل ظروف اقتصادية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
في سياق متصل تشير المربية زينة محمدي إلى أن واقع التعليم في الجمهورية التونسية يثير القلق نتيجة تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي في الأرياف. وتلفت إلى أن تزويج الفتيات في سن مبكرة أو توجيههن للعمل في الفلاحة خلال مواسم الحصاد يعد من الممارسات التي تحرمهن من حقهن في التعليم وتكرس التناقض بين دور المرأة الريفية الفعلي وما تعانيه من نظرة دونية مجتمعية تحد من طموحاتها العلمية والمهنية.
تختتم زينة محمدي بالتأكيد على أن الحل يكمن في مقاربة شاملة تتضمن تحسين البنية التحتية وتوفير مختصين نفسيين واجتماعيين لدعم التلاميذ داخل المؤسسات التربوية. وتشدد على أن المربين مطالبون بتعزيز التوعية بأهمية العلم والمساواة بين الجنسين لضمان تكافؤ الفرص في الجمهورية التونسية مؤكدة أن التقدم الحقيقي للأمم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى جودة المنظومة التعليمية ومدى قدرتها على استيعاب جميع الفتيات والفتيان دون أي تمييز.







