
بقلم د. أيمن نور
تابعت باهتمام تصريحاتكم الأخيرة بشأن مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026-2027، وما تضمنته من الإشارة إلى زيادة مخصصات الصحة بنسبة 30% والتعليم بنسبة 20%، وتخصيص 47.5 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي والأدوية، و90.5 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد، إلى جانب زيادة الاعتمادات المخصصة للبنية الأساسية والخدمات التعليمية والصحية.
لا أكتب هذه السطور من موقع الخصومة السياسية، ولا من باب التقليل من أهمية أي زيادة توجه إلى صحة المصريين أو تعليمهم، وإنما أكتبها من موقع المسؤولية العامة، ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من عشر سنوات داخل لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، حيث تعلمت أن قراءة الموازنة لا تبدأ من الأرقام المعلنة، بل من الأسئلة التي تختبئ خلفها.
السؤال الدستوري الأول الذي ينتظر المصريون إجابته ليس حجم الزيادة المعلنة، وإنما: هل استوفت الموازنة الجديدة كامل الاستحقاقات الدستورية المنصوص عليها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فأين الأرقام التفصيلية التي تثبت ذلك؟ وإذا كانت الإجابة لا، فما هو الجدول الزمني للوصول إلى هذه الاستحقاقات بعد أكثر من عقد على إقرار الدستور؟
طوال سنوات طويلة اعتادت الحكومات المتعاقبة الحديث عن نسب الزيادة السنوية في مخصصات التعليم والصحة، بينما ظل الجدل قائمًا حول مدى الالتزام الحقيقي بالمواد الدستورية التي أوجبت تخصيص نسب محددة من الناتج المحلي الإجمالي لهذه القطاعات. ولذلك فإن النقاش الجاد لا ينبغي أن يبدأ من نسبة الزيادة، بل من نسبة الإنفاق الفعلية إلى الناتج المحلي الإجمالي وفقًا للمعايير الدستورية الواضحة.
المادة 18 من الدستور ألزمت الدولة بتخصيص نسبة لا تقل عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، والمادة 19 خصصت 4% للتعليم قبل الجامعي، والمادة 21 خصصت 2% للتعليم الجامعي، والمادة 23 خصصت 1% للبحث العلمي. وهذه ليست أرقامًا استرشادية أو أهدافًا سياسية قابلة للتأجيل، بل استحقاقات دستورية تمثل حقوقًا أصيلة للمواطنين.
المشكلة الحقيقية أن النقاش العام ما زال يدور داخل دائرة الأرقام الاسمية التي تبدو كبيرة في العناوين بينما تتآكل قيمتها الحقيقية على أرض الواقع. فزيادة الإنفاق بنسبة 20% أو 30% قد تبدو إنجازًا كبيرًا على الورق، لكنها قد لا تعني الشيء نفسه بعد احتساب معدلات التضخم وارتفاع أسعار الدواء والطاقة والمستلزمات الطبية وتكاليف التشغيل والأجور والصيانة.
الحديث عن زيادة 30% أو 20% لا يمكن فصله عن البيئة الاقتصادية التي تعمل داخلها الموازنة. فخلال السنوات الأخيرة شهد الاقتصاد المصري موجات تضخمية متتالية أدت إلى تآكل جزء معتبر من القوة الشرائية للإنفاق العام. ولذلك فإن المعيار العلمي الحقيقي ليس الزيادة الاسمية، وإنما الزيادة الحقيقية بعد خصم التضخم.
من حق الرأي العام أن يعرف كم تبلغ الزيادة الحقيقية في الإنفاق الصحي والتعليمي بعد استبعاد أثر التضخم. ومن حق البرلمان أن يحصل على هذه البيانات بصورة تفصيلية عند مناقشة مشروع الموازنة. فالموازنة ليست نشرة دعائية، وإنما وثيقة مالية وقانونية ورقابية تحدد أولويات الدولة وتكشف حقيقة اختياراتها.
ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تقيس وزارة المالية نجاحها بحجم الأموال التي تنفقها أم بحجم النتائج التي تحققها؟ فالتجارب الحديثة في إدارة المالية العامة انتقلت منذ سنوات من مفهوم موازنات البنود إلى مفهوم موازنات البرامج والأداء. لم يعد السؤال: كم أنفقنا؟ بل أصبح: ماذا حققنا مقابل ما أنفقنا؟
فعندما تخصص الدولة 47.5 مليار جنيه للعلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، فإن المعيار الحقيقي للنجاح يجب أن يكون عدد المرضى الذين حصلوا على الخدمة، ومتوسط زمن الانتظار، ونسبة التغطية الصحية، ومعدلات الرضا عن الخدمة، وانخفاض الإنفاق الصحي المباشر الذي تتحمله الأسر المصرية من دخولها الخاصة.
وعندما تخصص الدولة 90.5 مليار جنيه لهيئة الشراء الموحد، فإن السؤال لا يتعلق بحجم المبلغ، بل بحجم الوفر الذي تحقق، ومستوى الكفاءة، ومدى توافر الأدوية والمستلزمات، وقدرة المنظومة على تخفيض الفاقد وتحسين إدارة الموارد.
وفي قطاع التعليم، لا يكفي الحديث عن طباعة الكتب أو صيانة المدارس، رغم أهميتهما. فالقضية الحقيقية تتعلق بجودة التعليم نفسه. كم انخفضت كثافة الفصول؟ كم معلمًا تم تدريبه؟ ما نسبة المدارس التي أصبحت قادرة على تقديم تعليم يواكب متطلبات الاقتصاد الحديث؟ وما أثر الإنفاق على مستوى التحصيل العلمي ومهارات الخريجين؟
التجارب الدولية التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تنظر إلى التعليم والصحة باعتبارهما بنودًا إنفاقية، بل باعتبارهما استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري. فكل جنيه يوجه بكفاءة إلى التعليم أو الصحة ينعكس لاحقًا على الإنتاجية والنمو والاستقرار الاجتماعي.
لذلك فإن تقييم الموازنة لا يكتمل دون النظر إلى هيكل الإنفاق العام بأكمله. وهنا يبرز سؤال جوهري: ما موقع الصحة والتعليم داخل أولويات الدولة مقارنة ببقية البنود؟ وما نسبة ما يخصص لهذين القطاعين مقارنة بما يوجه لخدمة الدين العام وفوائده؟
تشير البيانات المالية خلال السنوات الأخيرة إلى أن خدمة الدين أصبحت تستهلك نصيبًا متزايدًا من الموارد العامة. وهذه الحقيقة تجعل من الضروري فتح نقاش وطني مسؤول حول العلاقة بين إدارة الدين العام وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والدستورية.
القضية هنا ليست مهاجمة الاقتراض ولا إنكار ضرورته في بعض المراحل، وإنما التساؤل حول كفاءة استخدامه وعائده الاقتصادي والاجتماعي. فالدين يصبح أداة للتنمية عندما يولد موارد جديدة، ويتحول إلى عبء عندما يزاحم الإنفاق على الإنسان والخدمات الأساسية.
معالي الوزير، لا أعتقد أن المصريين يختلفون حول أهمية الاستقرار المالي أو الانضباط المالي أو خفض العجز. لكنهم يتطلعون في الوقت نفسه إلى رؤية أكثر توازنًا بين مؤشرات المالية العامة ومؤشرات التنمية البشرية.
المواطن البسيط لا يقيس نجاح الموازنة بحجم الفائض الأولي، ولا بنسبة العجز الكلي، ولا بتقارير المؤسسات الدولية. المواطن يقيس نجاحها عندما يجد سريرًا في مستشفى حكومي، أو مقعدًا لابنه في فصل غير مكتظ، أو دواءً بسعر يستطيع تحمله، أو خدمة عامة تحترم كرامته.
لذلك فإن الرسالة الأساسية التي أود طرحها هي أن نجاح الموازنة لا يبدأ من الإعلان عن أرقام أكبر، وإنما من بناء منظومة شفافة تسمح للبرلمان والرأي العام بقياس النتائج الفعلية للإنفاق العام، ومراقبة مدى التزام الحكومة بالاستحقاقات الدستورية، ومحاسبة كل جهة على ما تحقق من أهداف لا على ما أنفقته من أموال.
هذه ليست رسالة اعتراض على زيادة الإنفاق، بل دعوة إلى الانتقال من موازنة الأرقام إلى موازنة النتائج، ومن قياس المدخلات إلى قياس المخرجات، ومن الاكتفاء بالمؤشرات المالية المجردة إلى تقييم الأثر الحقيقي للإنفاق العام على حياة المواطنين وجودة الخدمات التي تقدمها.







