
منذ أن أصبحت الديمقراطية التمثيلية لها أطر ومعايير منذ القرن الـ18، عندما زادت قوة الطبقة الوسطى، وتقلصت سلطة الكنيسة، وساد الانتخاب كقاعدة لتداول السلطة سلميا، وأصبحت الحريات العامة ضرورة، (منذ ذلك) أصبح الحكم المدني واحدا من أبرز مؤشرات النظم المتمدينة.
ولما كان الحكم المدني يرتبط بشكل واضح بحتمية إبعاد الدين عن السياسة، فهو أيضا يرتبط بضرورة مماثلة ولا تقل عنها بحتمية أبعاد المؤسسات العسكرية عن السلطة.
ولما كانت مسألة إخراج الدين عن العمل السياسي أمرا واقعا، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، إلا أن علاقة المؤسسة العسكرية بالعمل السياسي لا زالت معلقة وغير محسومة، على الأقل من جانب المتحمسين لدور تلك المؤسسة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
عدم حصر دور المؤسسة العسكرية العربية في الدفاع عن الثغور
ولأن دور المؤسسة العسكرية العربية في الاستقلال والكفاح ضد الاستعمار وربما التفاوض على الجلاء كان مميزا، وبسبب القدرات التنظيمية العالية والتقنية الكبيرة للجيوش العربية، فقد مُنح للمؤسسة العسكرية دورا سياسيا بارزا فوق دورها العسكري في عديد الأقطار العربية، (لكل ذلك) ظلت المؤسسات العسكرية العربية دورا خارقا للعادة عقب الاستقلال في إدارة الشئون السياسية في بعض الأقطار العربية، ومن ثم متجاوزا حصره في مجرد دور الجيوش التقليدي في الدفاع عن الثغور. وكان عديد القادة العرب بما فيهم قادة بعض الممالك، كالأردن والبحرين، حتى وقت قريب، يرتدون البزات العسكرية في مناسبات كثير، كما ارتداها الكثيرين من قادة الجمهوريات في النظم التي ضربتها انقلابات عسكرية أو انتفاضات أو ثورات تَكَفَل العسكريون بحمايتها كما حدث في أوقات متفرقة في السودان وسوريا وليبيا والعراق ولبنان ومصر والجزائر وموريتانيا.
لذلك كان مستقبل العسكريين في إدارة الشئون السياسية -في الواقع العملي- في الكثير من الأقطار العربية محوريا، وهو دور فتح شهيتهم لإصلاح أوضاعهم الاجتماعية وتحقيق مصالحهم الذاتية، تحت ذريعة تحقيق مصالح الدولة والمجتمع. وكان الشعور الذاتي للمؤسسة العسكرية بالتفوق وبالقدرة على تحقيق ما لم يقدر عليه المدنيين في مواقعهم بالحكم والإدارة والشئون التنظيمية، أن كان لها دورا محوريا في الشأن السياسي العربي، وقد دعم من كل ذلك غياب الرقابة على الجيوش، واستشراء الفساد، ما جعلها أكثر حرية في العمل واقتناص الغنائم دون رقابة أو محاسبة، بسبب امتلاكها أدوات القهر، واعتمادها على النفوذ والقوة، في بلدان تفتقد لقيمة القانون على العكس من المجتمعات المتمدينة التي تعرف تقاليد وقوانين راسخة تخضع القوات المسلحة فيها للتنظيم ومعرفة الخطوط المانعة للتداخل والتصادم مع كل ما هو مدني.
الديمقراطية تُفسد الجيوش والدكتاتورية تُفسد المجتمع المدني
ما سبق من أمور ساهم في الأقطار العربية في تقليص الحريات العامة، لكون الحياة العسكرية لا تعرف سوى الإنضباط والأوامر والتعليمات دون مناقشة، مع العقاب القاسي والصارم بحقوق دفاع محدودة لكل من يخرق القوانين والتعليمات العسكرية. لم يكن هذا الوضع غريبا أو مستهجنا داخل الجيوش، لأن ترك الجيوش لتبادل الآراء وانتخابات القيادات وحقوق الدفاع والاختلافات الفكرية والتحزبات يصيبها بالفشل. لكن العكس صحيح، فإن الحياة المدنية سترزح تحت وطأة العنف والتسلط وحكم الفرد والدكتاتورية وحياة السجون والمعتقلات وكبت الحريات بكافة أشكالها، إذا ما تمكنت منها الأوامر والتعليمات والرأي الواحد، والتعيين، وغياب العدالة وسيادة الظلم، ومنع الاحتجاج والتنفيس عن الشعوب بالانتخابات(ترشيحا واقتراعا)، والإضرابات والمظاهرات والاعتصامات، وتبادل الرؤي الفكرية والإيديولوجية والحزبية، والرقابة الشعبية ومحاسبة التنفيذيين.
ما من شك أن وجود الجيوش خارج الحياة المدنية، وضمان بقاؤها كحراس للثغور، ومدافعة عن أرض الوطن العربي، ومقاومة أعداء الأمة العربية، وهو ما يتم من خلال تنفيذ أوامر الساسة، هو الكفيل وحده بأن تحكم الأقطار العربية بشكل متمدين.
دحض حجة استمرار الصراع مع إسرائيل لهيمنة الجيوش على السلطة
لا شك أن بقاء الجيوش العربية والمؤسسات العسكرية في لعب دور مركزي في الحكم قد مر بحجج كثيرة، لكن الحجة الأبرز التي لا زالت قائمة حتى اليوم تتمثل في بقاء الصراع العربي الإسرئيلي، ومن ثم فإن وجود تلك المؤسسة أو نخبتها -حتى بلباسها المدني- في ناصية القرار يجعل هناك أهمية لمواجهة الكيان الصهيوني المحتل، والجاسم على الأرض العربية منذ 14مايو1948.
تلك الحجة لا يمكن أن تجد صدى إيجابي لها في ذهن أي عاقل أو لبيب لسببين. أولهما: أن وجود هؤلاء على رأس السلطة في الأقطار العربية، تسبب في نكسات كبيرة على جبهات اللقاء بين الجيوش العربية وجيش الكيان الصهيوني. الثاني: أن العدو الصهيوني نفسه الذي يواجه أكثر من 20 بلدا عربيا، لم يحكم يوما ما بالعسكريين، ولم يحكم يوما بالطوارئ، ولم يُقيد الحريات العامة، أو يؤجل انتخابات، اللهم إلا باستثناءات محدودة جدا تتعلق بالعنصرية بين اليهود أنفسهم، ومن باب أولى بينهم وبين عرب فلسطين.
أدوار محسومة سياسية واجتماعية للمؤسسات العسكرية
وبطبيعة الحال هناك أدورا سياسية واجتماعية لا يمكن إنكارها يمكن أن تلعبها المؤسسات العسكرية في الأقطار العربية. فسياسيا يُدرك الكافة الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه تلك المؤسسات في نقل السلطة للمدنيين حال طغيان النخب الحاكمة. هنا من المهم الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى دور تلك المؤسسة في السودان بعد الإطاحة بحكم نميري في 6 إبريل1985، وقيام الراحل الفريق عبد الرحمن سوار الذهب بتسليم السلطة للمدنيين في 26 إبريل 1986، وقبل ذلك من المهم مقارنة دور العسكريين المهيمن بعد 23 يوليو1952 في مصر، وما أفضى إليه من نكسة يونيو1967، ودورهم المُحجم عقب بيان الرئيس جمال عبد الناصر في 30 مارس1968، وهو البيان الذي أشار بوضوح لدعم الحريات العامة، والانتخابات، واستقلال القضاء وتمكين الشباب ودعم الخبرات، والرقابة والمحاسبة والاعتراف بالخطأ، وغيرها من أمور التي كان يمكن لها أن تكون صنوا للنظام السياسي في مصر، لولا انتكاسات طالت التنفيذ. أيضا لا يمكن إنكار دور الجيش المصري في حماية المتظاهرين في أحداث يناير2011، وإدارة عملية الانتقال السلمي للسلطة وقتئذ.
بالتوازى مع كل ذلك تلعب المؤسسات العسكرية أدوارا اجتماعية طارئة ومهمة حال حدوث الكوارث والخطب والنواكب، حتى في البلدان المتمدينة، حيث تقوم باستغلال امكاناتها الكبيرة وخبراتها في توصيل الاحتياجات المختلفة للناس، وحماية المكتسبات وتقديم الخدمات للمحتاجين. وكل ما سبق من مهام مدنية من غير الممكن أن تقوم به المؤسسة العسكرية دون تكليف واضح ومباشر من قبل السياسيين، وهذا التكليف لا يجب التمادي فيه ليطال تدخل المؤسسة العسكرية الدائم في التعليم والصحة والتدريب.
دور اقتصادي يتحتم أن تعف عنه المؤسسة العسكرية
من هنا فإن عدم الإنغماس في إدارة الشئون الاقتصادية للدولة، بما يجعلها تقف في مواجهة القطاعين العام والخاص فيها، وجنوح تلك المؤسسة نحو أوحال الأعمال الاقتصادية المدنية كالدخول في شراكات بناء وعمل وإدارة المشروعات المختلفة، وامتلاك الاستثمارات المدنية، والتجارة إلى جانب المدنيين كتفا بكتف، وإقامة المصانع لانتاج المنتجات غير العسكرية، ودخول تلك المؤسسة في حياة المدنيين بتعيينهم أو تدريبهم في الوظائف المدنية، أو تعيين رجالها المتقاعدين في المهام ذات الطابع المدني والإداري والمحلي الصرف، ومحاولة منافسة مؤسسات التعليم المدني بالدولة، وكذلك المؤسسات ذات الطابع الصحي…إلخ. كل ذلك يعد من الأدوار غير المقبولة، لكونها تغمس المؤسسة العسكرية في العمل السياسي خاصة والعام عامة.
ما العمل؟
من أجل كل ما سبق، ولأهمية مقرطة الحكم العربي، من المهم وضع حدود فاصلة دستورية وقانونية بين المؤسسة العسكرية والإدارة المدنية، بحيث يُخضَع الجيش للمنتخبين من السياسيين، لضمان عدم تدخلهم في الحياة المدنية، وهو ما يفضي إلى مقرطة الحكم في الأقطار العربية.





