
لأول مرة منذ سنوات، لا يبدو أن الخلاف الدائر داخل الوسط القانوني يدور حول قضية أو مبدأ قانوني، بقدر ما يدور حول صورة المحاماة نفسها أمام المجتمع.
ومع الجدل الذي اتسع حول الإرث المهني والمعنوي لأحد رموز المحاماة الراحلين، خرج السؤال من إطار الأشخاص ودخل منطقة أكثر خطورة:
هل نتحدث عن إرث مهني يُصان
أم عن إرث أصبح محل تنازع وتأويل؟
المؤلم ليس في وجود النقاش.
ولا في تعدد الروايات.
فذلك أمر طبيعي في كل الأوساط المهنية.
لكن المؤلم أن يتحول تاريخ قامة قانونية كبيرة إلى مادة صراع علني، يُدار جزء منه على المنصات وكأن الإرث المهني أصبح ملكية مفتوحة للتجاذب والتفسير.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
هذا ليس خلافًا عابرًا، بل اختبار حقيقي لفكرة الوقار المهني نفسها.
فالمحاماة لم تكن يومًا مجرد مهنة لكسب القضايا، بل مهنة تقوم على الثقة والوقار قبل أن تقوم على الحجة والمرافعة.
وإذا كانت الخلافات المهنية أمرًا مشروعًا، فإن طريقة إدارتها هي التي تكشف مدى تمسكنا بتقاليد المهنة وأعرافها الراسخة.
المحاماة التي عرفناها كانت تتعامل مع الرموز باعتبارها قيمة معنوية تتجاوز الأشخاص، حتى عند الاختلاف حولهم.
أما اليوم، فيبدو أن المشهد يتغير بصورة متسارعة؛ فكل شيء أصبح قابلًا للنشر، وكل اختلاف قابلًا للتأويل، وكل موقف قابلًا للتحويل إلى مادة للتفاعل.
والنتيجة أن المهنة نفسها بدأت تتحول تدريجيًا إلى جزء من المشهد، بدلًا من أن تكون هي الإطار الذي يحكمه.
المشكلة ليست في السوشيال ميديا.
وليست في التطور.
وليست في سرعة تداول المعلومات.
المشكلة أن جزءًا من الصورة المهنية بدأ ينتقل من ساحات الوقار إلى ساحات التفاعل.
ولابد أن نعترف بأن المحاماة لا تتأثر فقط بوجود الخلافات، بل تتأثر أكثر بالطريقة التي تُعرض بها تلك الخلافات أمام الرأي العام.
فالمواطن الذي يشاهد من الخارج لا يرى الملفات ولا يعرف السياقات الكاملة، بل يرى مشهدًا واحدًا فقط: مهنة كبيرة تتنازع على رموزها أمام الجميع.
وهذا وحده كفيل بأن يثير تساؤلات حول صورة المهنة ومكانتها.
والأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة من المحامين تتابع هذه المشاهد وتتعلم منها.
تتعلم أحيانًا أن الحضور قد يصبح أعلى من الحجة.
وأن الصوت قد يسبق المذكرة.
وأن المنصة قد تنافس القاعة في صناعة التأثير.
وهنا يفرض سؤال نفسه بقوة:
هل ما زلنا نصنع محاميًا يؤمن برسالة المهنة وتقاليدها، أم أننا نصنع نموذجًا جديدًا يخلط بين العمل المهني وصناعة المحتوى دون حدود واضحة بين المجالين؟
وبصفتي محامية نفسية، لا أرى ما يحدث مجرد خلاف مهني عادي، بل أراه انعكاسًا لتحولات أعمق تمس تعريف المهنة نفسها.
هل المحاماة رسالة وقار ومسؤولية؟
أم مساحة حضور وتأثير؟
أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الاثنين؟
الحقيقة المؤكدة أن المحاماة لا تنهار فجأة.
بل تتآكل تدريجيًا عندما يصبح الضجيج أعلى من الهيبة، والتفاعل أهم من القيمة، والإرث مادة للتداول أكثر منه معنىً يستحق الصون.
وربما يختلف الناس حول الأشخاص، وربما تنتهي الخلافات بمرور الوقت، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام كل محامٍ هو:
كيف نحافظ على هيبة مهنة عمرها أجيال، في زمن أصبح فيه كل شيء قابلًا للنشر، وكل خلاف قابلًا للتداول، وكل رمز قابلًا لإعادة التفسير؟
فالمعركة الحقيقية اليوم ليست على إرث الراحلين، بل على شكل المحاماة التي سنتركها للأحياء







