
لا أعرف سؤالًا لاحق مصر في تاريخها الحديث أكثر من هذا السؤال. سؤال بسيط في ظاهره، شديد التعقيد في جوهره: لماذا تعثرت مصر؟ ولماذا بقيت النهضة مشروعًا مؤجلًا، يظهر في الأفق ثم يبتعد، يقترب من التحقق ثم يتعثر قبل الوصول إلى غايته؟
أجيال كاملة تعاقبت على هذا البلد وهي تظن أن لحظة الانطلاق الكبرى أصبحت على مرمى البصر. جيل راهن على مشروع التحديث في القرن التاسع عشر، وجيل راهن على الاستقلال الوطني في مطلع القرن العشرين، وجيل راهن على دولة العدالة الاجتماعية بعد يوليو 1952، وجيل راهن على الانفتاح الاقتصادي، وجيل راهن على ثورة يناير، ثم اكتشف الجميع أن الطريق إلى المستقبل أكثر تعقيدًا مما تصوروا.
حكاية مصر ليست حكاية بلد فقير يبحث عن موارد. بل حكاية دولة تملك من المقومات ما يجعلها مرشحة للنجاح أكثر من كثير من الدول التي سبقتها. موقع جغرافي استثنائي، كتلة بشرية ضخمة، تاريخ طويل من الدولة المركزية، تراث قانوني وإداري عريق، موارد طبيعية ليست قليلة، ومكانة حضارية يصعب إنكارها. ومع ذلك ظل الفارق يتسع أحيانًا بين ما تستحقه مصر وما تحققه فعليًا.
مفكرون كثر حاولوا الإجابة عن هذا السؤال. بعضهم رد الأزمة إلى الاستعمار، وبعضهم إلى التخلف التعليمي، وبعضهم إلى الثقافة السياسية، وبعضهم إلى الدين أو الاقتصاد أو التركيبة الاجتماعية. غير أن مراجعة التجربة المصرية الطويلة تكشف أن هذه العوامل جميعًا ليست سوى أجزاء من صورة أكبر، وأن جوهر المشكلة ظل سياسيًا في المقام الأول.
السياسة هنا لا تعني الصراع على السلطة فحسب. المقصود هو الطريقة التي تُدار بها الدولة، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُوزع السلطات، وكيف تُراقب المؤسسات بعضها بعضًا، وكيف يُسمح للمجتمع بالمشاركة في صناعة مستقبله.
دول كثيرة كانت أفقر من مصر وأقل تعليمًا وأضعف موارد في منتصف القرن العشرين. كوريا الجنوبية لم تكن تمتلك النيل ولا قناة السويس ولا الموقع الجغرافي المصري. سنغافورة لم تكن تمتلك عمقًا تاريخيًا يقارب واحدًا في المئة من عمق التجربة المصرية. إسبانيا خرجت من حرب أهلية مدمرة. دول أوروبا الشرقية خرجت من عقود طويلة من الحكم الشمولي. ومع ذلك استطاعت جميعها أن تقطع مسافات واسعة نحو التنمية والاستقرار.
الفارق الحقيقي لم يكن في الثروات بقدر ما كان في طريقة إدارة الثروات. ولم يكن في عدد السكان بقدر ما كان في طريقة إدارة المجتمع. ولم يكن في الموارد بقدر ما كان في طبيعة المؤسسات التي تحكم العلاقة بين السلطة والناس.
مصر الحديثة بدأت عمليًا مع مشروع محمد علي. وللمرة الأولى منذ قرون طويلة ظهر مشروع متكامل لبناء دولة مركزية حديثة. جيش وإدارة وتعليم وصناعة وبيروقراطية وتنظيم مالي. كانت تلك لحظة فارقة في تاريخ البلاد. لكن المشروع الذي نجح في بناء الدولة لم ينجح بالقدر نفسه في بناء السياسة.
ولدت الدولة قوية قبل أن يولد المجتمع السياسي قويًا. نشأت الإدارة قبل أن تنشأ المؤسسات الرقابية. وتوسعت السلطة التنفيذية قبل أن تتوازن مع السلطات الأخرى. ومنذ تلك اللحظة المبكرة بدأت واحدة من أهم السمات الملازمة للتجربة المصرية الحديثة: دولة قوية ومجتمع سياسي أضعف من أن يراقبها أو يشاركها صناعة القرار بالقدر الكافي.
طوال القرن التاسع عشر ظل مشروع التحديث المصري مرتبطًا بالدولة أكثر من ارتباطه بالمجتمع. كانت الدولة هي الفاعل الرئيسي، وهي الممول، وهي المستثمر، وهي المخطط، وهي صاحب القرار النهائي. وحين ضعفت الدولة أو تعرضت للاحتلال تعثر المشروع كله معها.
السنوات التالية شهدت تطورًا مهمًا في الحياة الدستورية. عرف المصريون المجالس النيابية مبكرًا مقارنة بدول كثيرة في المنطقة. وقامت في مصر 1919 ثوره عظيمة ،
وعرفت البلاد صحافة حرة نسبيًا ،وأحزابًا سياسية ،ونقابات ومؤسسات مدنية.
بلغ هذا التطور ذروته مع دستور 1923 الذي ظل واحدًا من أهم المحطات الدستورية في التاريخ المصري.
رغم ذلك بقيت الحياة السياسية أسيرة معادلة معقدة. احتلال أجنبي من جهة، وقصر ملكي يسعى لتوسيع نفوذه من جهة ثانية، وأحزاب تتنافس أحيانًا أكثر مما تتعاون من جهة ثالثة.
وهكذا واجهت التجربة الليبرالية المصرية الأولى تحديات وصعوبات كبيرة في ترسيخ نفسها بالقدر الذي يسمح لها بالبقاء طويلًا.
حركه الضباط في يوليو 1952 جاء استجابة لأزمات عميقة في النظام القديم. اهمها، دور الاحتلال البريطاني،والتفاوت الاجتماعي الواسع، والعجز المتزايد عن إدارة الدولة.
حملت حركه الضباط الأحرار ،آمالًا ضخمة وحققت بعض الإنجازات الاجتماعية ،
لا يجوز إنكارها. فتوسعت فرص التعليم، وتغيرت الخريطة الاجتماعية، وتعزز الاستقلال الوطني، وبدأت مشاريع تنموية وصناعية طموحة.
غير أن نجاح حركه الضباط في تحقيق أهداف وطنية واجتماعية ، جاء مصحوبًا بتركيز متزايد للسلطة في يد الحكم العسكري. وشيئًا فشيئًا تراجعت السياسة بعد أزمة مارس 1954لحساب الإدارة العسكرية للبلاد، وتراجعت المشاركة الجماعية لحساب الزعامة و التعبئة، وتراجعت المنافسة السياسية لحساب الشرعية الثورية.
لم تكن هذه الظاهرة مصرية خالصة. كثير من دول العالم الثالث التي حكمت بالأنظمة العسكرية ،سلكت الطريق نفسه في تلك المرحلة.
لكنها في مصر اكتسبت أهمية خاصة لأن الدولة كانت أصلًا شديدة المركزية منذ نشأتها الحديثة في عهد محمد علي.
هكذا بدأت مفارقة مصر الكبرى.
كلما توسعت الدولة ازدادت قدرتها على الإنجاز، لكنها ازدادت في الوقت نفسه اعتمادًا على المركز الواحد.
وكلما تضخمت الأجهزة التنفيذية العسكرية والأمنية ،تقلصت المساحات المتاحة للمجتمع كي يشارك في تصحيح الأخطاء أو مراجعة السياسات أو إنتاج بدائل جديدة.
كانت هزيمة يونيو 1967 أول لحظة كشفت بوضوح حدود هذا النموذج. فالأمم لا تُهزم فقط بسبب نقص السلاح أو ضعف الموارد، بل قد تُهزم أيضًا عندما تتراجع القدرة على النقد والمراجعة والمساءلة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول سنوات ما بعد الهزيمة إلى سنوات مراجعة كبرى لكثير من الأفكار والمسلمات لكن هذا لم ينعكس علي المجال العام والحريات والحقوق السياسية.
تجربة العبور في أكتوبر 1973 أعادت الثقة إلى الدولة المصرية وإلى المجتمع المصري معًا. لكنها لم تُنهِ السؤال القديم.وهو: كيف يمكن بناء دولة قوية دون أن تتحول القوة إلى احتكار؟
وكيف يمكن الحفاظ على الاستقرار دون إغلاق المجال العام؟
وكيف يمكن الجمع بين الزعامة والمساءلة في آن واحد؟
ظل هذا السؤال يتكرر في صور مختلفة خلال العقود التالية والان…
ومع كل أزمة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية كان يعود إلى الواجهة من جديد. لأن جوهر الأزمة لم يكن في الأشخاص، ولا في الحكومات، ولا في السياسات الجزئية، بل في طبيعة العلاقة التي تشكلت عبر عقود طويلة بين الدولة والمجتمع.
لذلك يبدو البحث عن أسباب تعثر مصر أقرب إلى البحث في بنية النظام السياسي نفسه لا في أخطاء هذا الرئيس أو ذاك.
فالدول لا تتقدم لأن حكامها معصومون من الخطأ، بل لأنها تبني مؤسسات تسمح باكتشاف الخطأ ،او تصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة وكارثة.
وهنا تحديدًا
يبدأ الحديث عن الديمقراطية. لا باعتبارها شعارًا أيديولوجيًا، ولا وصفة مستوردة من الخارج، ولا مجرد صندوق انتخابي يُفتح كل عدة سنوات. بل باعتبارها إحدى أهم الأدوات التي اكتشفتها البشرية لتنظيم السلطة، وضبطها، ومحاسبتها، وتجديدها بصورة سلمية.
لذلك فالسؤال:
لماذا تعثرت مصر؟
يقودنا بالضرورة إلى السؤال التالي:
ما علاقة الديمقراطية بالتنمية؟
وما علاقة الحرية بكفاءة الدولة؟
وهل يمكن أن تحقق الأمم نهضة مستدامة دون مشاركة سياسية حقيقية؟
ذلك هو السؤال الذي سنحاول الاقتراب منه في الحلقة التالية:
مصر الممكنة 2030 (2)
الديمقراطية كي تكون مصر ممكنة (2)
ونتناول فيه ،أزمة الديمقراطية ،وطريق الانتقال .







