
السؤال الذي انتهت إليه الحلقة السابقة لم يكن سؤالًا نظريًا أو ترفًا فكريًا. فالأمم لا تقف طويلًا أمام التاريخ لتتأمل أسباب تعثرها لمجرد التأمل، وإنما لتبحث عن الطريق الذي يسمح لها بالخروج من دائرة التكرار. وإذا كان سؤال الحلقة الأولى هو: لماذا تعثرت مصر؟ فإن سؤال هذه الحلقة يبدو أكثر إلحاحًا: ما الذي يمنع مصر من الانتقال إلى نظام سياسي أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار والتنمية والعدالة في آن واحد؟
كثير من النقاشات العربية حول الديمقراطية وقعت في خطأ مزدوج. فريق اختزل الديمقراطية في الانتخابات وحدها، وفريق آخر اختزلها في الحرية وحدها. وبين الاختزالين ضاعت الصورة الكاملة. فالديمقراطية في التجارب الحديثة ليست مجرد صندوق اقتراع، كما أنها ليست مجرد حق في التعبير. إنها منظومة متكاملة لتنظيم السلطة ومنع احتكارها وإخضاعها للمحاسبة وتجديد شرعيتها بصورة سلمية ودورية.
التجربة الإنسانية الطويلة لم تصل إلى الديمقراطية لأنها النظام المثالي، بل لأنها النظام الأقل كلفة بين النظم السياسية المعروفة. وقد عبر ونستون تشرشل عن هذه الفكرة بدقة عندما قال إن الديمقراطية أسوأ أنظمة الحكم باستثناء جميع الأنظمة الأخرى التي جُربت من قبل. ولم يكن يقصد تمجيد الديمقراطية بقدر ما كان يشير إلى أن البشر لم يكتشفوا حتى الآن وسيلة أفضل لضبط السلطة ومنع تحولها إلى امتياز دائم.
جوهر الأزمة الديمقراطية في مصر لا يكمن في غياب نص دستوري هنا أو مادة قانونية هناك. فالدساتير المصرية المتعاقبة تضمنت في كثير من الأحيان نصوصًا متقدمة نسبيًا مقارنة بواقع التطبيق. الأزمة الحقيقية كانت دائمًا في الفجوة بين النص والمؤسسة، وبين المؤسسة والممارسة، وبين الممارسة والثقافة السياسية السائدة.
خبرة العمل العام والبرلماني علمتني أن المشكلة الكبرى في العالم العربي ليست ندرة القوانين بقدر ما هي ندرة الضمانات. كثير من الحقوق تُكتب في الدساتير، لكن قلة منها تجد طريقها إلى الواقع. وكثير من المؤسسات تُنشأ بالقانون، لكن فاعليتها تظل مرتبطة بمدى استقلالها وقدرتها على أداء دورها بعيدًا عن الضغوط السياسية والإدارية.
العلاقة بين الدولة والنظام واحدة من أكثر القضايا التباسًا في الخطاب السياسي المصري. الدولة هي المؤسسات الدائمة التي تحمي المجتمع وتدير شؤونه وتضمن استمراره. أما النظام فهو الطريقة التي تُدار بها هذه الدولة خلال فترة زمنية محددة. الخلط بين المفهومين أدى في مراحل كثيرة إلى تصوير أي نقد للنظام باعتباره تهديدًا للدولة، بينما تؤكد تجارب الأمم أن قوة الدولة تزداد كلما أصبحت قادرة على تحمل النقد والمراجعة والتغيير.
دولة القانون لا تخشى المعارضة، لأنها لا تعتبرها خطرًا وجوديًا. ودولة المؤسسات لا تخشى تداول السلطة، لأنها تعرف أن بقاء المؤسسات أهم من بقاء الأشخاص. أما النظم التي تربط مصير الدولة بمصير السلطة القائمة فإنها تدخل في دائرة مفرغة تجعل كل تغيير محتمل يبدو تهديدًا للاستقرار الوطني.
مصر ليست استثناءً من قوانين التطور السياسي التي عرفتها الأمم الأخرى. فالمجتمعات تتغير، والاقتصاد يتغير، والتعليم يتغير، والاتصال بالعالم يتغير، وأجيال جديدة تولد كل عقد تقريبًا برؤى مختلفة وتوقعات مختلفة. وحين تتغير المجتمعات أسرع من تغير النظم السياسية تظهر فجوة متزايدة بين الواقع وآليات الحكم.
الاقتصاد نفسه يقدم أدلة مهمة في هذا المجال. الدول التي نجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة لفترات طويلة لم تعتمد فقط على رؤوس الأموال أو الموارد الطبيعية. اعتمدت كذلك على وجود مؤسسات تسمح بالشفافية، وتحد من الفساد، وتوفر قدرًا من اليقين القانوني، وتضمن المنافسة العادلة. المستثمر لا يبحث فقط عن الربح، بل يبحث أيضًا عن قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها.
لهذا السبب لا تبدو الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين قضية سياسية منفصلة عن التنمية. البنك الدولي وعدد كبير من المؤسسات الدولية المعنية بالتنمية توصلت عبر عقود من الدراسات إلى أن جودة الحوكمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الأداء الاقتصادي. فالدول التي تمتلك مؤسسات أكثر خضوعًا للمساءلة تحقق عادة مستويات أعلى من الكفاءة والاستدامة في إدارة الموارد العامة.
الفساد بدوره ليس مجرد مشكلة أخلاقية. إنه نتيجة مباشرة لغياب الرقابة الفعالة واحتكار المعلومات وضعف المحاسبة. وكلما تقلصت مساحات الشفافية زادت تكلفة القرارات الخاطئة على المجتمع. وقد تدفع الدول ثمن خطأ اقتصادي واحد سنوات طويلة إذا لم تكن لديها مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطأ مبكرًا وتصحيحه.
لا توجد دولة في العالم الحديث حققت تنمية مستدامة اعتمادًا على الأمن وحده. الأمن ضرورة لا غنى عنها، لكنه ليس بديلًا عن السياسة. والاستقرار قيمة كبرى، لكنه لا يصبح مستدامًا إلا إذا استند إلى رضا اجتماعي واسع وإلى شعور المواطنين بأن لهم مكانًا حقيقيًا داخل المجال العام.
تجارب إسبانيا والبرتغال واليونان في جنوب أوروبا، وتجارب كوريا الجنوبية وتايوان في شرق آسيا، وتجارب تشيلي والبرازيل في أمريكا اللاتينية، تكشف حقيقة مهمة. لم تنتقل هذه الدول إلى الديمقراطية بعد أن أصبحت غنية، بل أصبحت أكثر قدرة على النمو والاستقرار بعد أن نجحت في بناء مؤسسات أكثر انفتاحًا وخضوعًا للمساءلة.
الانتقال الديمقراطي ليس حدثًا لحظيًا. ليس ليلة يسقط فيها نظام وصباح تستيقظ فيه دولة ديمقراطية. الانتقال عملية طويلة ومعقدة تتطلب توافقات وطنية وضمانات دستورية وإصلاحات تدريجية ومؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بصورة سلمية.
أخطر ما يواجه أي عملية انتقال هو منطق الغلبة. فحين يسعى طرف إلى احتكار المستقبل كما احتكر طرف آخر الماضي، تتكرر الأزمة في صورة جديدة. الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى على الإقصاء، وإنما على الاعتراف بالتعدد والتنوع وحق الجميع في المشاركة وفق قواعد عادلة.
التجربة المصرية الحديثة قدمت دروسًا قاسية في هذا المجال. فقد كشفت أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء نظام جديد، وأن امتلاك الشرعية الانتخابية لا يكفي وحده لإدارة مجتمع معقد ومتعدد، وأن القوة الأمنية مهما بلغت لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية طويلة المدى.
لذلك تبدو المهمة الرئيسية أمام أي مشروع إصلاحي جاد هي البحث عن نقطة التوازن التي تجمع بين الاستقرار والحرية، وبين الدولة القوية والمجتمع القوي، وبين الأمن وحقوق الإنسان، وبين التنمية الاقتصادية والمشاركة السياسية.
ذلك التوازن ليس مستحيلًا. بل إن كثيرًا من الدول التي كانت تعاني أزمات أشد تعقيدًا من الحالة المصرية نجحت في الوصول إليه عبر الحوار الوطني والتوافق الدستوري والإصلاح التدريجي. وما تحتاجه مصر ليس استنساخ تجربة أجنبية، بل صياغة طريقها الخاص المستفيد من خبرتها التاريخية وخصوصيتها الوطنية.
يبقى السؤال الأهم:
إذا كانت الديمقراطية ضرورة للدولة الحديثة، فما شكل الديمقراطية التي تناسب مصر؟
وما طبيعة الإصلاحات التي يمكن أن تفتح الطريق إلى عام 2030 بصورة أكثر استقرارًا وعدالة وكفاءة؟
ذلك هو السؤال الذي ستتناوله الحلقة القادمة:
مصر الممكنة 2030 3
الديمقراطية في مصر الممكنة (3)
الديمقراطية الممكنة… كيف تنهض بمصر؟







