
بعض الأسماء لا نتعرف إليها من الصور القديمة، ولا من الوثائق المحفوظة في الأدراج، بل نتعرف إليها من الأقدار المشتركة.
تجمعنا بها طرق لم نمشها معًا، وأوجاع لم نعشها في الزمن نفسه، لكنها تظل قادرة على أن تمد بين الأرواح جسورًا خفية لا يراها أحد.
هكذا كان محمود أبو الفتح بالنسبة لي.
لم أره.
ولم أجلس إليه.
ولم أتشرف بلقائه.
لكنني شعرت طويلًا أن بيننا معرفة قديمة لم تحدث.
فارق العمر بيننا كان أكبر من أن يسمح بلقاء مباشر، غير أن الحياة وجدت طريقًا آخر للتعارف.
عرفت شيئًا من ملامحه الإنسانية من خلال الأستاذ محمد أبو الفتح، ابن شقيقه، الذي عمل معنا في البدايات الأولى لجريدة الوفد مديرًا لإدارة الإعلانات.
كان رجلًا من ذلك الطراز المصري القديم الذي أصبح نادرًا.
هادئًا.
مهذبًا.
وقورًا.
يحمل احترامًا فطريًا للناس وللمهنة.
وكان كلما تحدث عن عمه أو استعاد ذكرى من ذكرياته، أشعر أنني لا أستمع إلى سيرة صحفي كبير فقط، بل إلى حكاية أسرة كاملة دفعت ثمن انحيازها للكلمة.
شيئًا فشيئًا بدأت أتعرف إلى الرجل الذي لم أره.
وكأن الزمن اختار أن يقدمه إليّ بعد رحيله بعقود.
وكلما قرأت سيرته شعرت أن ما يجمعني به أكبر من الانتماء إلى الوفد.
وأكبر من الصحافة.
وأكبر من السياسة.
يجمعنا شيء أكثر قسوة…
الغربة.
عاش محمود أبو الفتح سنواته الأخيرة بعيدًا عن مصر.
وعشت أنا سنوات طويلة بعيدًا عنها أيضًا.
اختلفت الأنظمة.
واختلفت الأزمنة.
واختلفت التفاصيل.
لكن المنفى لا يغير لغته كثيرًا.
يبقى هو المنفى ذاته.
ذلك الإحساس الثقيل الذي يجعلك تحمل وطنك في قلبك أكثر مما تحمله في حقيبتك.
وتستيقظ كل صباح باحثًا عن شارع تعرفه فلا تجده.
وعن وجه تحفظه فلا تراه.
وعن وطن يسكنك أكثر مما تسكنه.
ربما لهذا السبب شدني فصل خاص في حياته.
لم يقبل محمود أبو الفتح أن يتحول إلى منفي صامت.
فبعد أن صودرت جريدته، وأُغلقت أبواب مصر في وجهه، أسس من منفاه في سويسرا أول إذاعة مصرية معارضة تخاطب المصريين من وراء الحدود.
كان يؤمن أن الوطن لا يختزل في الجغرافيا.
وأن الكلمة تستطيع أن تعبر الحدود أكثر مما تستطيع الجيوش.
ولعل القدر شاء أن أعيش شيئًا قريبًا من هذه التجربة بعد عقود طويلة.
فكما حاول محمود أبو الفتح أن يحمل صوته إلى المصريين من سويسرا عبر الميكروفون، شاركت في تأسيس أول قناة تلفزيونية مصرية معارضة تبث من إسطنبول.
اختلفت الوسائل.
وتغير الزمن.
لكن السؤال بقي واحدًا:
كيف يبقى صوت الوطن حيًا حين يضيق الوطن ببعض أبنائه؟
وُلد محمود أبو الفتح في الزقازيق عام 1893.
وكانت مصر آنذاك تبحث عن طريقها إلى الحرية.
وكأن القدر أراد أن يولد معها رجل سيقضي عمره كله مطاردًا بالحلم نفسه.
درس الحقوق.
لكن القانون لم ينجح في سرقته من الصحافة.
كانت الكلمة أقوى.
وكان الحبر أكثر إغراءً من أي مهنة أخرى.
بدأ حياته في جريدة وادي النيل، ثم انتقل إلى الأهرام.
وسرعان ما أثبت أنه ليس صحفيًا ينتظر الخبر في مكتبه.
بل صحفي يذهب إلى الخبر حيث يكون.
ركب منطاد زيبلن الألماني في رحلته التاريخية الأولى.
وكان واحدًا من ثلاثة صحفيين فقط سمح لهم بالمشاركة في تلك الرحلة التي تابعها العالم كله.
فبراير 1919 كشف مبكرًا معدن الرجل.
اقترح على سعد زغلول مشروعًا متكاملًا لرصد ما تنشره الصحافة الأجنبية عن مصر وترجمته والرد عليه باللغات الأجنبية.
كانت الفكرة متقدمة على عصرها بعقود.
وكانت تعبيرًا عن وعي مبكر بأن معارك الأمم لا تُحسم بالسلاح فقط، بل بالرواية أيضًا.
سافر مع الوفد المصري إلى أوروبا.
صحفيًا.
ومستشارًا إعلاميًا.
ومدافعًا عن قضية وطن.
وهناك كتب واحدة من أكثر صفحات حياته تأثيرًا.
نفدت أمواله في لندن.
ولم يعد يملك ثمن غرفة ينام فيها.
فاستأذن السلطات البريطانية أن يقضي ليلته داخل محطة للسكك الحديدية.
نام على مقعد خشبي بعيدًا عن وطنه.
لكن قلبه كان أقرب إلى مصر من كثيرين كانوا يعيشون داخلها.
نشرت صحيفة إنجليزية قصته.
فقرأها والده في مصر.
لم يرسل له رسالة مواساة.
ولم يرسل له نصيحة.
باع فدانًا من أرضه وأرسل له المال.
كان الأب يدرك أن ابنه لا يبحث عن نفسه.
بل يبحث عن وطن كامل.
بعد وفاة داود بركات، بدا محمود أبو الفتح المرشح الطبيعي لرئاسة تحرير الأهرام.
لكن الظروف سارت في اتجاه آخر.
وكانت تلك الخسارة بداية حلم أكبر.
حلم جريدة المصري.
باع والده فدانين آخرين.
ووضع الابن ثمنهما في مشروع الجريدة الجديدة.
وشاركه محمد التابعي وكريم ثابت.
وصدرت المصري عام 1936.
وسرعان ما أصبحت واحدة من أهم الصحف المصرية وأكثرها تأثيرًا.
كان وفديًا في وجدانه.
لكنه لم يحول جريدته إلى صحيفة حزبية.
أيد الوفد حين اقتنع.
وعارضه حين اختلف.
كان يؤمن أن الصحافة التي تتحول إلى منشور حزبي تفقد روحها.
ولهذا احتفظت المصري بمكانتها واحترامها.
عام 1941 تحقق حلم الصحفيين المصريين.
صدر قانون إنشاء النقابة.
واشترطت الحكومة توفير مقر لها.
فتح محمود أبو الفتح شقته في عمارة الإيموبيليا لتصبح أول مقر لنقابة الصحفيين.
وهكذا بدأ بيت الصحفيين من بيت نقيبهم الأول.
لم يكن غريبًا بعد ذلك أن يجمع الصحفيون على انتخابه أول نقيب لهم.
فقد رأوا فيه ما هو أكبر من صاحب جريدة ناجحة.
رأوا رجلًا آمن بالمهنة حتى منحها بيته وعمره.
ظل أيضًا أشهر عازب في الصحافة المصرية.
وحين سألوه عن سر عدم زواجه قال عبارته الشهيرة:
“نحن معشر الصحفيين لا نصلح للزواج.”
وكانت الجملة تبدو ساخرة.
لكنها كانت تحمل شيئًا من الحقيقة.
فالرجل كان متزوجًا بالفعل…
من الصحافة.
جاءت ثورة يوليو.
وتغيرت مصر.
وتغيرت معها حياة محمود أبو الفتح.
أغلقت جريدة المصري.
وصودرت ممتلكاته.
وصدر ضده حكم غيابي بالسجن.
وانتقل من موقع أحد كبار صناع الرأي في مصر إلى موقع المنفي السياسي.
مفارقة موجعة أن الرجل الذي منح النقابة بيتًا انتهى بلا بيت.
والرجل الذي دافع عن حرية الصحافة انتهى محرومًا من صحافته.
والرجل الذي عاش يكتب لمصر انتهى بعيدًا عنها.
رحل في جنيف عام 1958.
ولم يسمح الرئيس، أن يعود حتى جثمانًا.
استقبل الرئيس الحبيب بورقيبة نعشه في تونس تقديرًا لدوره الوطني والقومي.
ودُفن هناك.
بعيدًا عن النيل.
بعيدًا عن الزقازيق.
بعيدًا عن النقابة التي أسسها.
وبعيدًا عن الجريدة التي أحبها.
بعد سنوات أعيد الاعتبار إلى اسمه.
ومُنح وسام الجمهورية.
وأعيدت بعض الحقوق إلى أسرته.
لكن التكريم المتأخر لا يستطيع أن يعوض سنوات المنفى.
ولا أن يمحو مرارة الغربة.
كلما قرأت سيرته توقفت أمام صورتين لا تفارقان الذاكرة.
شاب ينام في محطة قطارات لندن دفاعًا عن قضية وطنه.
ورجل يُدفن خارج وطنه لأنه تمسك بحقه في رأيه.
بين الصورتين تمتد حياة كاملة.
حياة صحفي.
ونقيب.
ومعارض.
ومنفِي.
وحالم كبير.
سلام على محمود أبو الفتح…
أول النقباء.
وصاحب المصري.
وصاحب أول إذاعة مصرية معارضة في المنفى.
والرجل الذي أثبت أن الوطن قد يبتعد أحيانًا عن أبنائه…
لكن أبناءه الحقيقيين لا يبتعدون عنه أبدًا.
لذلك بقي اسمه حاضرًا.
وبقيت حكايته حية.
وبقي هو…
وجهًا لا يغيب.








