مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: من البؤس إلى الازدهار الإنساني

منذ عقود طويلة، حاول الاقتصاديون قياس أحوال الشعوب من خلال الأرقام. فظهرت مؤشرات النمو والدخل القومي والتضخم والبطالة وغيرها من الأدوات التي تساعد على فهم الحالة الاقتصادية للدول.

ومن أشهر هذه الأدوات ما عُرف باسم “مؤشر البؤس”، وهو مؤشر بسيط يقوم على جمع معدل التضخم ومعدل البطالة في الدولة. وكلما ارتفع الرقم، زادت معاناة المواطنين. فالمواطن الذي لا يجد عملاً، أو يجد أن دخله يفقد قيمته يومًا بعد يوم أمام ارتفاع الأسعار، يعيش حالة من الضيق الاقتصادي مهما كانت الشعارات السياسية أو الإنجازات العمرانية من حوله.

لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه مع نهاية القرن العشرين كان أكثر عمقًا.

هل غياب البؤس يعني وجود السعادة؟

وهل انخفاض البطالة والتضخم يكفيان ليقال إن المجتمع يعيش حياة جيدة؟

الإجابة كانت: لا.

فقد اكتشفت المجتمعات الحديثة أن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في راتب أو وظيفة أو قدرة شرائية.

ومن هنا ظهر مفهوم جديد أكثر إنسانية واتساعًا: “الرفاهية الإنسانية”، ثم تطور المفهوم إلى ما يعرف اليوم بـ “الازدهار الإنساني” (Human Flourishing).

الازدهار الإنساني لا يسأل فقط: كم يكسب الإنسان؟

بل يسأل:

هل يعيش حياة ذات معنى؟

هل يشعر بالأمان؟

هل يمتلك حرية الاختيار؟

هل يثق في مجتمعه؟

هل يتمتع بصحة جسدية ونفسية؟

هل لديه أصدقاء وعائلة وروابط إنسانية حقيقية؟

هل يشعر أن حياته تضيف شيئًا للعالم؟

إن الفرق بين البقاء والازدهار يشبه الفرق بين نبات ينجو من الجفاف، وآخر يزهر ويثمر.

فليس الهدف من الحياة أن نستمر فقط، بل أن ننمو.

ولذلك بدأت دول عديدة ومؤسسات دولية في تطوير مؤشرات جديدة تقيس السعادة وجودة الحياة والصحة النفسية والتماسك الاجتماعي والثقة العامة، بعد أن أدركت أن الناتج المحلي الإجمالي لا يخبرنا بكل الحقيقة.

فقد تكون دولة غنية لكنها تعاني من العزلة الاجتماعية، وارتفاع معدلات الاكتئاب، وتفكك الأسرة، وفقدان المعنى.

وقد تكون دولة أقل ثراءً لكنها تتمتع بدرجة أعلى من الرضا والثقة والتكافل.

والأمر نفسه ينطبق على الأفراد.

فكم من إنسان يمتلك المال والسلطة والشهرة، لكنه يعيش قلقًا دائمًا وشعورًا بالفراغ.

وكم من إنسان محدود الدخل لكنه يشعر بالسكينة والرضا والانتماء.

إن الازدهار الإنساني يبدأ عندما تتوازن دوائر الحياة المختلفة.

فالجسد يحتاج إلى الصحة،

والعقل يحتاج إلى المعرفة،

والنفس تحتاج إلى الحب والانتماء،

والروح تحتاج إلى المعنى،

وعندما يختل أحد هذه الأبعاد، يشعر الإنسان بنوع من الفقر، حتى لو كان حسابه البنكي ممتلئًا،

وفي رأيي، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول في القرن الحادي والعشرين لم يعد مجرد تحقيق النمو الاقتصادي، بل بناء بيئة تسمح للإنسان بالازدهار.

فالنجاح الحقيقي لأي دولة لا يقاس فقط بعدد الجسور التي بنتها، أو حجم صادراتها، أو ارتفاع أبراجها.

بل يقاس أيضًا بمدى قدرة مواطنيها على أن يعيشوا حياة كريمة، حرة، آمنة، مبدعة، ومليئة بالأمل.

إننا بحاجة إلى الانتقال من فلسفة إدارة الاقتصاد إلى فلسفة بناء الإنسان،

ومن قياس الثروة إلى قياس القيمة،

ومن مقاومة البؤس إلى صناعة الازدهار.

فالبؤس ليس نقيض الفقر فقط، بل نقيض الكرامة والأمل.

أما الازدهار الإنساني، فهو اللحظة التي يشعر فيها الإنسان أنه لا يكتفي بالحياة… بل يشارك فيها بسعادة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى