مقالات وآراء

‏أسامة رشدي يكتب: بريطانيا.. من أبناء الهجرة إلى حراس المعبد!!..لماذا يتبنى بعض أبناء المهاجرين الخطاب الأكثر تشددًا ضد التنوع؟


من المفارقات الأكثر إثارة في السياسة البريطانية اليوم أن بعض أكثر الأصوات تشددًا تجاه الهجرة والتعددية الثقافية، بل وحتى الخطابات التي يُنظر إليها باعتبارها معادية للإسلام، باتت تأتي أحيانًا من أبناء المهاجرين أنفسهم.

ليس الحديث هنا عن حق أي شخص في تبني مواقف يمينية أو محافظة؛ فهذا حق مشروع في أي ديمقراطية. ولا حتى عن معارضة قوارب الهجرة غير الشرعية، والتي أرى شخصيًا أنها تمثل إشكالية قانونية وأمنية معقدة، خصوصًا عندما يكون القادمون قد عبروا بالفعل دولًا آمنة قبل وصولهم إلى ‎بريطانيا.

ما أعنيه هنا هو المواقف التي تتجاوز ذلك إلى خطاب يُفهم منه العداء للهجرة الشرعية، أو للتنوع الثقافي والديني الذي شكّل أحد أعمدة المجتمع البريطاني الحديث.

السؤال الذي أطرحه هنا: ماذا يحدث عندما يصل أبناء المهاجرين إلى قمة السلطة عبر منظومة قانونية وثقافية فتحت لهم الأبواب، ثم يصبحون من أكثر الداعين إلى تقليصها؟

خذوا مثال ‎سويلابرفرمان، وزيرة الداخلية البريطانية السابقة وعضوة مجلس العموم التي انتقلت من ‎حزب المحافظين إلى حزب الإصلاح. وهي المتحدثة باسم التعليم والمهارات والمساواة في الحزب، ففي خطابها الأخير أمام مؤتمر الحزب، تحدثت عن أن من أولوياتهم منذ اليوم الأول في السلطة إلى الإلغاء التام لـ “قانون المساواة لعام 2010” في بريطانيا. وزعمت “برافرمان” أن سياسات التنوع والمساواة والإدماج قد “مزقت البلاد” بسبب تركيزها على سياسات الهوية، وأنها تستبدل الجدارة والكفاءة بالتمييز الإيجابي كما دعت إلى الخروج من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وهنا يبرز السؤال: هل كان يمكن لابنة عائلة مهاجرة من أصول هندية، والدتها من أصول تاميلية ووالدها من أصول غوانية هندية، أن تصل إلى أعلى المناصب السياسية في بريطانيا لولا قوانين مكافحة التمييز، وثقافة المساواة، والبيئة التي أتاحت لأبناء الأقليات والنساء والمهاجرين فرص الصعود السياسي والاجتماعي؟!

ثم يأتي نموذج ‎ليلى_كانينغهام (ليلى أحمد نجيب المليجي)، مرشحة حزب الإصلاح لمنصب عمدة ‎لندن، وهي ابنة عائلة مصرية هاجرت إلى بريطانيا في ستينيات القرن الماضي هربا من عبدالناصر. وقد عمل والدها قبيل وفاته، في تجارة الاستيراد والتصدير بين مصر وبريطانيا، ونشأت داخل أسرة مصرية مسلمة.

المفارقة هنا ليست في أصولها المصرية، ولا في حقها في تبني ما تشاء من مواقف سياسية، بل في أن ابنة مهاجرين في مدينة مثل لندن التي بُنيت قوتها الاقتصادية والثقافية على الهجرة والتنوع باتت ترتبط بخطاب يرى كثيرون أنه لا يستهدف فقط الهجرة غير الشرعية، بل يطرح مواقف تُفهم باعتبارها معارضة لفكرة التعددية الثقافية نفسها، كما تتهمها أصوات عديدة بتبني خطاب يضيق على المظاهر الإسلامية في الفضاء العام، ومتهمة من الكثيرين بتبني خطاب الاسلاموفوبيا.

لندن ليست مجرد عاصمة أوروبية؛ إنها واحدة من أكثر مدن العالم تنوعًا.
وهذا التنوع لم يكن عبئًا على المدينة، بل كان أحد أهم أسباب نجاحها العالمي.

والسؤال الحقيقي هنا ليس: هل يحق لأبناء المهاجرين أن يتبنوا مواقف يمينية؟
بالطبع يحق لهم.

لكن كيف يقبل بعضهم، بعد الوصول، إلى إغلاق الباب خلفه أمام من سلكوا الطريق نفسه؟

وهل يستغل اليمين الشعبوي شخصيات من هذا النوع لتسويق سياساته، والقول إنه لا يتبنى مواقف إقصائية، طالما أن بعض أبرز وجوهه ينحدرون من أبناء المهاجرين
ليرفعوا عنهم الحرج في قول ما يستحون عن تبنيه علنا خوفا من اتهامهم بالعنصرية؟!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى