ذاكرة التاريخملفات وتقارير

محمد توفيق رفعت باشا: مسيرة قامة وطنية ورائد مجمع اللغة العربية العظيم

يعد محمد توفيق رفعت باشا أحد أبرز القامات الوطنية التي تركت بصمة لا تمحى في تاريخ الإدارة والقضاء والعمل المؤسسي في البلاد، حيث تولى مسؤولية أول رئيس لمجمع اللغة العربية، تاركاً إرثاً يمتد لأجيال من الإبداع الفكري والمعرفي، وبالنظر إلى ذكراه في مثل هذا اليوم من شهر يونيو، نستعرض محطات حياة هذا الرجل الذي جمع بين الرزانة والحكمة وأصالة الرأي، مجسداً نموذجاً فريداً للمسؤول المثقف.

ولد محمد توفيق رفعت باشا في مدينة القاهرة في 25 سبتمبر عام 1866، ونشأ في كنف أسرة غرست فيه أصول الفضيلة وحب المعرفة، ليلتحق بمدرسة الألسن، التي كانت تعرف بـ مدرسة المعلمين، حيث أظهر نبوغاً استثنائياً أهله ليكون مدرساً بها عام 1883، وبعدها ابتعثته الحكومة في بعثة علمية إلى فرنسا عام 1885، حيث درس الحقوق لمدة ثلاث سنوات، وعاد في أكتوبر 1888 ليضع لبنات مسيرته المهنية.

تدرج في المناصب القضائية والإدارية ببراعة فائقة، فبدأ مساعداً للنيابة العمومية في 13 مايو 1889، ثم ارتقى في السلك القضائي قاضياً في بني سويف عام 1892، ومفتشاً للجنة المراقبة القضائية بوزارة الحقانية عام 1902، وصولاً إلى تعيينه مستشاراً بمحكمة الاستئناف الأهلية عام 1907، حيث شهدت تلك الفترة على كفاءته العالية في إدارة المصالح التي تولاها بجد وإخلاص مشهود له به.

مسيرة حافلة في الوزارات السيادية

تقلد محمد توفيق رفعت باشا مناصب وزارية رفيعة في مراحل سياسية بالغة الحساسية، فكان وزيراً للمعارف العمومية عام 1920، ثم وزيراً للمواصلات، كما أسندت إليه حقيبة الخارجية في يوليو 1923، واستمر في عطائه حتى تولى منصب وزير الحربية والبحرية في وزارة إسماعيل صدقي باشا عام 1930، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات القيادية في قدراته الإدارية العالية، وقدرته على ضبط الإيقاع في الوزارات التي أدارها.

انتقل إلى العمل البرلماني في 21 يونيو 1931، حين اختير رئيساً لمجلس النواب، واستمر في هذا الموقع حتى 29 نوفمبر 1934، ليكون شاهداً على تحولات سياسية كبرى، بما في ذلك التحديات التي واجهت الحياة الدستورية آنذاك، وقد تميزت فترته بالحزم والالتزام، خاصة في ظل الظروف التي شهدت تعطيل دستور عام 1923، حيث ظل محتفظاً بوقاره ومكانته كسياسي لا يلين أمام الضغوط، متمسكاً بأسس الدولة والقانون.

تأسيس مجمع اللغة العربية

سجل التاريخ بمداد من فخر دور هذا الرجل في تأسيس مجمع اللغة العربية عام 1932، حيث اختير رئيساً له ليكون حارساً للغة العربية وراعياً للعلوم والفنون، ونجح في وضع اللوائح والأسس الإدارية لهذا الصرح العلمي الكبير في 35 جلسة عمل مكثفة، كما شهد عام 1934 افتتاح المجمع رسمياً، ليعمل منذ ذلك الحين على وضع المعاجم التاريخية، وتنظيم الدراسات اللغوية، وجمع المصطلحات، ليبقى هذا الإنجاز شاهداً على دوره المحوري في النهضة الثقافية الوطنية.

غيب الموت محمد توفيق رفعت باشا في 15 يوليو 1944 عن عمر يناهز 78 عاماً، مخلفاً وراءه سيرة عطرة من الإنجازات القضائية واللغوية، فقد كان يجمع بين سعة العلم وتخير الألفاظ الجزلة، معتبراً أحد المدافعين الأشداء عن تقاليد اللغة العربية، وقد نعاه كبار رجال الدولة والأدباء مؤكدين على فداحة فقدان قامة وطنية لم تألُ جهداً في خدمة العلم واللغة، ستظل سيرته حاضرة كمثال للنزاهة والذكاء الخارق والإدارة الحكيمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى