
رحم الله الأستاذ/ فريد الديب، غير أنني، ومن واقع ما شهدت وما عايشت، لا أراه ذلك الجهبذ الأسطوري الذي صوره بعض الناس، بل أراه محامياً مارس المهنة كما مارسها غيره، وأصاب فيها وأخطأ، شأن كل بشر.
ولست أدري سر هذه الضجة التي أثيرت عقب تصريحات الأستاذ/ محمد حمودة، ولا مصدر هذا العجب الذي استبد بالبعض حتى جعل من الاختلاف في التقييم ضرباً من ضروب الجحود أو العدوان.
وقد جمعتني بالأستاذ/ فريد الديب، ساحة الدفاع في قضية الدكتور/ أيمن نور، وكنت شريكاً له فيها عام 2005، فرأيت مرافعاته وسمعت دفوعه، وبكل أمانة وتجرد، كان أداؤه : من وجهة نظري، أداءً عادياً لا يجاوز المألوف، بل إن مرافعة الراحل الأستاذ/ أمير سالم في ذات القضية الشهيرة، كانت أعمق بناءً، وأقوى حجة، وأحكم نسجاً وربطاً بين وقائع القضية وخلفياتها المتعلقة بواقعة التزوير الشهيرة، وعلاقتها بانتخابات رئاسة الجمهورية عام 2005.
وخلاصة القول :
أن مصر زاخرة برجال قانون ومحامين يفوقون غيرهم اقتداراً ومهنية وعلماً، وأنا هنا أتحدث عن الكفاءة المهنية لا عن المقامات الشخصية، وعن الحجة لا عن الهيبة، وعن الصنعة لا عن الشهرة.
ولا أنسى يوماً حديثاً دار بيني وبين أحد كبار رجال الهيئات القضائية، أثناء نظر قضية التزوير الشهيرة للدكتور/ أيمن نور، وأتحفظ عن ذكر اسمه، إذ قال لي بلهجة صريحة لا تحتمل التأويل :
(يا أستاذ شادي طلعت، أنتم تضرون بالدكتور/ أيمن نور أكثر مما تنفعونه، فلماذا تنصرفون إلى السياسة وتتركون صلب القضية ؟ ولماذا لا تجعلون مدار دفاعكم الأدلة والقرائن التي تثبت براءة الرجل بدلاً من تعليق الأمر على شماعة الصراع السياسي ؟)
وكان حديثه يومئذ جديراً بالتأمل، حرياً بالتدبر، وكان يقصد وقتها كل هيئة دفاع الدكتور/ ايمن نور بمن فيهم الأستاذ/ فريد الديب.
في النهاية :
لم يكن (فريد الديب) هرقل المحامين كما يحلو لبعضهم أن يصوره، ولم يكن ذلك الفارس الوحيد في ميدان المرافعة.
ومن أراد أن يعرف حقيقة ما أقول فليجلس في قاعات الجنايات بالقاهرة أو الجيزة أو سائر الأقاليم، وليصغ إلى مرافعات رجال لا تسبقهم الأضواء ولا تتبعهم الكاميرات، لكنهم ينسجون من القانون شعراً، ومن المنطق بياناً، ومن الحجة سلطاناً.
هناك أسماء كثيرة تشكل قمماً شامخة في عالم المحاماة، غير أنني أعزف عن ذكرها، لأن ذكر البعض قد يفضي إلى نسيان البعض الآخر، والفضل لا يتجزأ، والإنصاف يقتضي ألا يبخس أحد حقه.
ولعل ما يؤسف له أن بعض المجتمعات لا تكتفي بصناعة الرموز، بل تمضي إلى صناعة الأساطير، فإذا رحل أصحابها أقامت لهم من التقديس ما يشبه المقامات، ومن الإجلال ما يجاوز حدود الاعتدال.
وكأننا لا نعشق الرجال فحسب، بل نعشق المبالغة في الرجال، فنرفع البشر فوق منازل البشر، ثم نختلف بعد ذلك في أوصافهم كما يختلف الناس في أوصاف الآلهة المزعومة.
وليست هذه نزعة طارئة ولا عادة عابرة، بل تبدو وكأنها ميراث ثقيل تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى غدا التقديس عند البعض أقرب من التقييم، والانبهار أسبق من الإنصاف.







