
مصر عامرة بالرجال، وغنية بالمؤسسات، وعريقة في خبراتها المتراكمة. لم تكن أزمة هذا البلد يومًا نقصًا في الكفاءات، ولا فقرًا في العقول، ولا عجزًا عن الإنجاز. مصر التي شيدت أقدم دولة مركزية عرفها التاريخ، وأنشأت واحدًا من أعرق الأجهزة الإدارية في العالم، وقدمت عبر قرنين متواصلين نخبة من رجال القانون والسياسة والاقتصاد والفكر، لا يمكن اختزال مشكلتها في نقص الموارد أو غياب القدرات.
مع ذلك، ما زالت مصر تتعثر في السؤال نفسه منذ عقود طويلة. تتغير الحكومات، وتتبدل الشعارات، وتتوالى الخطط والمشروعات، لكن الدولة لا تزال تبحث عن الصيغة التي تجعل مؤسساتها تعمل في تناغم لا في تنافس، وفي تكامل لا في إحلال، وفي توازن لا في هيمنة.
خلال العقود الماضية اعتادت الدولة المصرية، كلما واجهت أزمة أو تعثرت مؤسسة مدنية أو غابت الإرادة السياسية للإصلاح، أن تلجأ إلى المؤسسة الأكثر انضباطًا وتنظيمًا وقدرة على التنفيذ. ومع الوقت أصبح ما بدأ استثناءً أقرب إلى القاعدة، وتحولت المؤسسة العسكرية تدريجيًا إلى الملاذ الذي تلجأ إليه الدولة كلما ضعفت بقية مؤسساتها.
لم يكن ذلك دائمًا بسبب رغبة المؤسسة العسكرية في التوسع، بقدر ما كان نتيجة طبيعية لضعف السياسة وتراجع الإدارة المدنية وتآكل المجال العام. فحين تضعف الأحزاب، وتتراجع الإدارة المحلية، ويتحول البرلمان إلى مؤسسة محدودة التأثير، ويُحاصر الإعلام، وتفقد الجامعات جزءًا من استقلالها، يصبح من الطبيعي أن تتمدد المؤسسة الأكثر قدرة على الحركة والتنفيذ.
هنا تظهر المعضلة الحقيقية للجمهورية المصرية الحديثة. ليست المشكلة أن الجيش قوي، بل أن بقية المؤسسات ليست بالقوة نفسها. وليست الأزمة أن المؤسسة العسكرية حاضرة، بل أن السياسة غائبة أو ضعيفة. فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين المدنيين والعسكريين، وإنما أزمة بناء دولة حديثة ومتوازنة.
عشت جزءًا كبيرًا من حياتي العامة داخل البرلمان وخارجه، وخضت معارك سياسية وقانونية ودستورية متعددة، وشاركت في حوارات طويلة حول مستقبل الدولة المصرية. وخلال تلك السنوات ازددت اقتناعًا بأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس ضعف جيشها، بل ضعف سياستها. فالجيوش تستطيع حماية الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني الأحزاب أو تدير الجامعات أو تصنع الثقافة أو تنتج الحرية أو تخلق التوازن داخل المجتمع.
لم يكن الجيش يومًا مؤسسة عادية في مصر. فهو المؤسسة التي ارتبطت بالاستقلال الوطني، وبالحروب الكبرى، وبالتضحيات التي دفعتها أجيال متعاقبة من أبناء الوطن. ولذلك فإن الدفاع عن مدنية الدولة ليس موقفًا ضد الجيش، بل دفاع عن الجيش نفسه، وعن مكانته، وعن مهمته الأصلية التي لا تعلو عليها مهمة أخرى.
مصر الممكنة لا تحتاج إلى جيش أقل قوة، بل إلى جيش أكثر احترافًا. ولا تحتاج إلى مؤسسة عسكرية أقل تأثيرًا، بل إلى دولة لا تضطر إلى استدعاء الجيش كلما تعثرت مؤسسة مدنية أو غاب دور سياسي أو انهارت وظيفة إدارية.
لفهم هذه المعضلة لا بد من العودة إلى يوليو 1952. فقبل ذلك التاريخ لم تكن مصر نموذجًا كاملًا للديمقراطية، لكنها كانت تعرف أحزابًا حقيقية وصحافة مؤثرة ونقابات مستقلة وانتخابات وبرلمانًا يملك قدرًا معتبرًا من الحيوية السياسية. وبعد ذلك التاريخ انتقل مركز الثقل السياسي تدريجيًا من المجال المدني إلى الدولة المركزية وأجهزتها السيادية، وهي عملية ربما كانت لها مبرراتها في لحظتها التاريخية، لكنها تحولت مع الوقت إلى نمط دائم من الحكم.
هكذا ضعفت الأحزاب، وتراجعت النقابات، وغابت الانتخابات المحلية، وتآكلت الثقافة السياسية، وتقلصت المساحات التي تسمح للمجتمع بإنتاج قياداته وأفكاره وبدائله بصورة طبيعية. وكلما حدث ذلك ازداد اعتماد الدولة على المؤسسة الأكثر تماسكًا وتنظيمًا.
الدراسات الحديثة في العلاقات المدنية العسكرية لا تنطلق من فكرة الصراع بين الجيش والدولة، بل من فكرة التوازن بينهما. فالمعضلة ليست في وجود جيش قوي، بل في غياب مؤسسات مدنية قوية إلى جواره. ولهذا فإن الأدبيات المعاصرة، من صامويل هنتنجتون إلى الباحثين العرب المعاصرين، ومنهم يزيد صايغ، تركز على مفهوم «الاحتراف العسكري» بوصفه الضمانة الأساسية لقوة الجيش وقوة الدولة في الوقت نفسه.
الاحتراف العسكري لا يعني فقط امتلاك السلاح والتدريب، بل يعني أيضًا وضوح الوظيفة. فكلما تفرغت المؤسسة العسكرية لمهمتها الأصلية في الدفاع عن الوطن، ازدادت قوة واحترامًا وفاعلية. أما كلما توسعت وظائفها خارج هذا الإطار، ازداد العبء عليها وازداد اعتماد الدولة عليها.
التجارب الدولية تقدم دروسًا مهمة لمصر الممكنة. إسبانيا بعد نهاية حقبة فرانكو لم تدخل في صدام مع جيشها، بل أعادت بناء التوازن بين المؤسسات تدريجيًا حتى أصبحت واحدة من الديمقراطيات الأوروبية المستقرة. وكوريا الجنوبية انتقلت من الحكم العسكري إلى الديمقراطية دون أن تخسر جيشها، بل أصبح الجيش أكثر احترافًا والدولة أكثر قوة. وإندونيسيا بعد نهاية عهد سوهارتو خاضت عملية إصلاح طويلة أعادت المؤسسة العسكرية إلى دورها المهني الطبيعي مع الحفاظ على مكانتها الوطنية. وحتى تركيا، رغم تعقيدات تجربتها وتقلباتها، ظلت لعقود طويلة ساحة لنقاش واسع حول حدود الدور العسكري والدور المدني في إدارة الدولة.
القاسم المشترك بين هذه التجارب لم يكن إضعاف الجيوش، بل تقوية السياسة. لم يكن إخراج الجيش من المشهد الوطني، بل إعادة بناء المؤسسات المدنية القادرة على أداء وظائفها بكفاءة. لم يكن الهدف الانتصار للمدني على العسكري، بل الانتصار لفكرة الدولة الحديثة نفسها.
مصر الممكنة تحتاج إلى مجلس أمن قومي حقيقي تشارك فيه الخبرات العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية بصورة مؤسسية مستقرة. تحتاج إلى برلمان يراقب ويحاسب ويشرّع. تحتاج إلى إدارة محلية منتخبة تعيد الحياة إلى المحافظات والمدن والقرى. تحتاج إلى إعلام مهني مستقل. تحتاج إلى قضاء قوي ومستقل. تحتاج إلى أحزاب حقيقية قادرة على إنتاج قيادات وبرامج وسياسات بديلة.
تحتاج كذلك إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد المدني على أسس واضحة ومتدرجة وعادلة، بما يضمن حماية الأمن القومي من جهة، وتكافؤ الفرص والكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات من جهة أخرى.
الأمن القومي في مصر الممكنة لا يبدأ من الدبابة فقط، بل يبدأ من المدرسة. لا يبدأ من السلاح فقط، بل يبدأ من الجامعة. لا يبدأ من الثكنة فقط، بل يبدأ من المحكمة والمصنع والمختبر ومركز الأبحاث. فالأوطان القوية في القرن الحادي والعشرين تُبنى بالمعرفة بقدر ما تُبنى بالقوة.
ولهذا فإن جوهر الرؤية التي تقدمها مصر الممكنة 2030 يمكن اختصاره في عبارة واحدة: نريد جيشًا لمصر، لا مصر للجيش. نريد جيشًا قويًا ومحترفًا ومتفرغًا لمهمته النبيلة في حماية الوطن، كما نريد سياسة قوية، واقتصادًا قويًا، وعدالة قوية، ومجتمعًا قويًا، ودولة قوية.
مصر الممكنة ليست دولة يحكمها العسكريون، كما أنها ليست دولة تحكمها نخب مدنية معزولة عن المجتمع. مصر الممكنة هي دولة تحكمها المؤسسات، ويضبطها الدستور، ويراقبها المواطن، ويحميها الجيش.
تلك ليست معركة ضد أحد،







