أخبار العالم

هوية كرماشان بين تحديات التذويب الثقافي ومحاولات استعادة الحضور الكردي الأصيل

تتحول سياسات الاستيعاب الثقافي في كرماشان شرق كردستان إلى إطار بنيوي يتجاوز مجرد فرض اللغة ليطال تفاصيل الهوية والانتماء للأفراد، حيث تشغل النساء موقعاً محورياً في هذه المعادلة الصعبة باعتبارهن الحاضنة الأساسية لنقل اللغة والثقافة، أو أداة لا إرادية لتطبيق تلك السياسات التي تفرضها السلطة المركزية في إيران، والتي تهدف عبر عقود من الزمن إلى تعزيز هوية أحادية تتجاهل التعددية الثقافية للمنطقة.

تفرض البنية السياسية في إيران منذ عهد رضا شاه بهلوي وحتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية مشروعاً مركزياً يهدف إلى بناء “أمة واحدة”، مستندة إلى أدوات تعليمية وثقافية أدت إلى تهميش اللغة الكردية، وتغيير الأسماء الجغرافية، وإضعاف البنى العشائرية والمحلية، حيث أصبحت اللغة الرسمية شرطاً ضرورياً للوصول إلى الموارد الاقتصادية وتحقيق الترقي الاجتماعي والمشاركة في مفاصل السلطة، مما جعل التكيف مع الثقافة الرسمية رأس مال اجتماعي لا غنى عنه.

تواجه النساء في كرماشان ضغوطاً مركبة ناتجة عن هشاشة موقعهن داخل بنية السلطة واعتمادهن على الأمان الاجتماعي، مما يدفع بعضهن لتبني اللغة الفارسية داخل المنزل كاستراتيجية عقلانية للبقاء وتأمين مستقبل الأبناء، ومع ذلك لا يمكن تفسير هذه السلوكيات بأنها انقطاع طوعي عن الثقافة، بل هي انعكاس لفضاء غير متكافئ يفرض خيارات قسرية، مما يؤدي إلى نشوء ذات منقسمة تعيش صراعاً بين لغة المنزل ولغة الفضاء الرسمي.

تترسخ عملية الاستيعاب الثقافي عندما تنتقل من كونها سياسة تفرضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى قاعدة اجتماعية يتبناها المجتمع، ففي كرماشان المعاصرة يحرص العديد من أبناء الطبقة الوسطى على تربية أجيال جديدة لا تتقن سوى اللغة الفارسية، بينما تُحصر اللغة الكردية في أوساط الأجيال الأكبر سناً، وهو تحول يمنح السلطة فرصة لفرض التجانس دون الحاجة إلى ضغوط مباشرة، حيث يتحول المجتمع ذاته إلى أداة لإعادة إنتاج هذه العملية الهادئة والمستمرة.

تشهد السنوات الأخيرة بروز مؤشرات قوية على مقاومة هذا التراجع من خلال الدورات غير الرسمية لتعليم اللغة الكردية، وتزايد المحتوى الرقمي عبر منصات التواصل، إذ تسعى النساء اليوم إلى إعادة تعريف دورهن كحاميات للهوية، محاولاتٍ إفشال مخططات التذويب عبر وعي نقدي جديد يتجاوز الضغوط البنيوية، ويضع مسؤولية مضاعفة على عاتق النخب والفاعلين الثقافيين في شرق كردستان لمواجهة سياسات الاستيعاب الثقافي التي تمتد لقرنين من الزمن.

تتجلى في كرماشان اليوم ازدواجية واضحة بين السعي للارتقاء الاجتماعي عبر اللغة الفارسية وبين تصاعد الوعي بضرورة الحفاظ على الهوية الكردية، وهو واقع يتطلب تحركاً جماعياً لإنقاذ اللغة الكردية من الاندثار، خاصة وأن التجارب العالمية تؤكد أن تراجع لغات الأقليات يصل إلى نقطة اللاعودة عندما يتعطل انتقالها بين الأجيال، مما يجعل استعادة هذه اللغة في الحياة اليومية مطلباً ملحاً يتجاوز الشعارات إلى الفعل الثقافي والموقف السياسي الواعي.

تحتاج منطقة كرماشان إلى مراجعة شاملة للعلاقة بين اللغة والسلطة والمكانة الاجتماعية، لأن الاستيعاب الثقافي الذي تفرضه الدولة يجد تربة خصبة في الصمت المجتمعي، فالتاريخ يبين أن تجاهل تآكل الذاكرة ليس موقفاً محايداً بل هو مشاركة فعلية في تغييب الهوية، لذا فإن فرصة الشباب اليوم في إعادة اكتشاف الذات الكردية تمثل لحظة تاريخية فارقة لمواجهة مسارات التهميش المستمرة، والعمل على استعادة الحق في التعبير عن الهوية واللغة والانتماء في الفضاء العام والخاص.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى