تاريخ نضال النساء في إيران وشرق كردستان ضد القمع السلطوي عبر العصور

تتصدر النساء في إيران وشرق كردستان المشهد النضالي عبر التاريخ في مواجهة محاولات الهيمنة المتجذرة التي استهدفت سلب حقوقهن الأساسية وفرض واقع اجتماعي وسياسي مقيد لحريتهن الشخصية والمدنية. وتبرز في طليعة هذه السردية التاريخية مواقف النساء اللواتي رفضن الخضوع لسياسات الدولة المركزية أو الأنظمة التي سعت لتقليص دورهن الاجتماعي. وتستمر هذه المقاومة بوصفها قوة بنيوية تحرك المجتمع في لحظات الأزمات الكبرى وتواجه الأنظمة التي حاولت تهميش دور المرأة ووضعها في قوالب العبودية أو التبعية للرجل أو السلطة القائمة.
تجسدت روح المقاومة في جغرافيا زاغروس منذ القدم عبر نماذج نسائية شجاعة تحدت الإسكندر الأكبر وجيوشه التي سعت لإخضاع المنطقة ثقافياً وعسكرياً. وقادت يوتاب شقيقة أريو برزان جيشاً لمواجهة القوات الغازية بينما أثبتت خانم منيجه من خلال نضالها في قمم هورامان أن إرادة الحرية تعلو فوق كل محاولات الاحتلال. وتمثل هذه البطولات التاريخية دليلاً قاطعاً على رفض النساء في تلك الحقبة للتبعية والاندماج القسري الذي فرضته عقلية ذكورية سعت لتحويل المرأة إلى مجرد جوارٍ أو أدوات للإنجاب في خدمة الأهداف السياسية للغزاة.
تغيرت موازين القوى مع اعتماد الزرادشتية ديناً رسمياً في الإمبراطورية الساسانية حيث تحالفت السلطة الدينية مع المؤسسة السياسية لترسيخ دونية المرأة وتكريس نظام المهر الذي حولها إلى ملكية منقولة. وتعمقت هذه الأزمات في العصور اللاحقة مع تفسيرات متشددة للعمليات البيولوجية للمرأة وصفتها بالنجاسة لضمان عزلها وحصرها في أماكن مظلمة. واستمرت هذه الذهنية في العصور الإسلامية التي استخدمت مفاهيم الغنائم لتسليع النساء وتحويلهن إلى كائنات صامتة بلا إرادة قانونية أو اجتماعية أو سياسية واضحة في المجتمع.
تشكلت حركات معارضة قوية مثل تعاليم ماني ومزدك والحركة الخرمية التي دافعت عن المساواة بين الجنسين في مواجهة السلطة المركزية المستبدة. وشاركت النساء في ثورة بابك الخرمي كفاعلات أساسيات في القتال وليس مجرد داعمات لوجستيات وهو ما أزعج بنى السلطة التي وصفت هذه الحركات بالانحلال. وتستمد هذه المقاومة شرعيتها من إرث تاريخي يعود إلى تقاليد اليارسانية والزرادشتية وثقافات الإلهة الأم التي منحت المرأة مكانة روحية رفيعة لا يمكن لسياسات الدولة المركزية أو أيديولوجيا الإسلام السياسي الراديكالي محوها بسهولة من الذاكرة الجمعية.
تعددت نماذج النساء الرائدات في إيران وشرق كردستان مثل فاطمة البرغاني المعروفة بلقب قرة العين التي أعدمت عام 1850 مع 28 من أتباعها لدفاعها عن حقوق النساء وحظر تعدد الزوجات. وظهرت أيضاً صديقة دولت آبادي التي أسست جمعية نساء أصفهان وأصدرت صحيفة صوت المرأة عام 1919 وعانت من ضغوط شديدة أجبرتها على النضال من أجل حق التصويت والتعليم حتى وفاتها عام 1962. ولم يسلم قبرها وقبر والدها وشقيقها من تخريب المتطرفين عام 1980 في محاولة لطمس أثر هذه القامات النسائية التي غيرت وجه التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد.
تجلت مقاومة النساء في شرق كردستان عبر انتفاضة قلعة دمدم عامي 1609 و1610 بقيادة خاني لب زيرين ضد الإمبراطورية الصفوية التي جسدت التضامن الاجتماعي ضد المركزية. وبرزت خاتون زيدان كقائدة عسكرية نظمت صفوف النساء والرجال لمواجهة الجيش الصفوي بينما قادت شهناز خاتون وحدة مسلحة تضم 15 امرأة للمشاركة في القتال. وفي فترة البهلوي قادت قدم خير انتفاضة ضد سياسات رضا شاه ورفضت عروضه بالزواج والعفو قائلة إن شعبها لن يكون ملكه قبل أن تُسحل وتُعدم في مشهد وحشي يعكس العداء العميق للمرأة القائدة.
سجلت النساء تضحيات جسام خلال النضال الثوري في سبعينيات القرن الماضي حيث تناولت مرزية أحمدي أوسكوئي السيانيد لتجنب الاعتقال والتعذيب بعد حصار قوات النظام لها. ولم تتوقف القسوة عند هذا الحد بل سحبت القوات جثمانها خلف مركبة في الشوارع لترهيب المواطنين. وفي جمهورية مهاباد عام 1946 أسست مينا قاضي اتحاد نساء كردستان وسعت لبناء شبكة تضامن إقليمية للدفاع عن حقوق النساء ومناهضة الزواج القسري رغم فقدانها زوجها وأطفالها وتعرضها للنفي والسجن في مواجهة قمع النظام السلطوي.
صعدت أصوات نسائية في المجال الثقافي والسياسي رغم التضييق مثل مستورة أردلان التي تعد من أوائل المؤرخات في الشرق الأوسط وفرخرو بارسا التي أصبحت أول وزيرة للتعليم في إيران قبل إعدامها عام 1980 بتهمة إفساد القيم الاجتماعية. ورفضت بارسا الحجاب الإجباري قائلة إنها تفضل الموت على قبوله. وتبع ذلك احتجاج هوما دارابي التي أضرمت النار بنفسها في ساحة عامة بطهران عام 1994 احتجاجاً على العنف الممنهج والقمع الذي تتعرض له النساء في إيران وشرق كردستان، مما جعل قضية حرية المرأة عنواناً عريضاً لا يتجزأ من الصراع التاريخي والسياسي القائم.







