قوات باكستانية تظهر في حضرموت وسط ترتيبات أمنية جديدة بعد تراجع الدور الإماراتي

عادت محافظة حضرموت شرقي اليمن إلى واجهة التطورات السياسية والأمنية، بعد توارد أنباء عن ظهور قوات باكستانية في عدد من مناطق المحافظة خلال الأيام الماضية، وسط ترتيبات جديدة داخل التحالف الذي تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية والقوات الموالية لها.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن التحركات الباكستانية تأتي في سياق إعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري في حضرموت، بعد الأحداث التي شهدتها المحافظة نهاية ديسمبر الماضي، والتي تسببت في إنهاء الحضور الإماراتي في اليمن، وتفكيك البنية العسكرية والأمنية والسياسية التي بنتها أبوظبي خلال السنوات الماضية.
وجاءت هذه التطورات عقب المواجهة التي دخل فيها المجلس الانتقالي الجنوبي مع السعودية، على خلفية عملية عسكرية استهدفت السيطرة على حضرموت والمهرة معًا، بما اعتبرته الرياض تجاوزًا لخطوطها الحمراء، قبل أن يتم حل المجلس الانتقالي الجنوبي في 9 يناير الماضي.
الرياض تطلب وجود قوات باكستانية في حضرموت
وتفيد مصادر يمنية مطلعة بأن وجود القوات الباكستانية في حضرموت جاء بطلب من الرياض، التي تقود التحالف العربي، وأن بدايات هذا الوجود تعود إلى أكثر من شهر، مرجحة أن تكون القوات قد وصلت ضمن تعزيزات أُرسلت من منطقة شرورة السعودية، مقر قيادة التحالف، ثم عبرت برًا إلى الأراضي اليمنية على دفعات.
ولم تتضح حتى الآن أعداد الجنود الباكستانيين الموجودين داخل اليمن، كما لم يُعرف ما إذا كانت هناك قوات من جنسيات أخرى ضمن الترتيبات الجديدة التي يجري تنفيذها في حضرموت.
وتتباين الروايات بشأن طبيعة الدور الباكستاني في المحافظة، إذ تشير بعض المصادر إلى أن الوجود الحالي يتمثل في لجان عسكرية لإعادة تقييم الأوضاع وترتيب وضع القوات الحكومية، بينما تؤكد مصادر أخرى أن القوات بدأت بالفعل في أداء مهام عسكرية وأمنية، وتسلم بعض المواقع والمعسكرات.
مهام أمنية وعسكرية في منشآت النفط
وتذهب تقديرات عدة إلى أن المهمة الأساسية للقوات الباكستانية ترتبط بتأمين منشآت النفط والثروة في حضرموت، إلى جانب تدريب القوات التابعة للحكومة اليمنية وتأهيلها، والمساهمة في إعادة تطبيع الأوضاع الأمنية داخل المحافظة.
وتحظى حضرموت بأهمية استراتيجية كبرى داخل اليمن، إذ تبلغ مساحتها نحو 193,032 كيلومترًا مربعًا، أي أكثر من ثلث مساحة البلاد، كما تتركز فيها نسبة كبيرة من الثروات النفطية والاقتصادية اليمنية.
ويُنظر إلى المحافظة باعتبارها واحدة من أكثر المناطق حساسية في معادلة النفوذ الإقليمي داخل اليمن، خاصة بعد تراجع الدور الإماراتي، وبروز ترتيبات جديدة تقودها السعودية بصورة منفردة داخل التحالف.
جنود باكستانيون في شوارع المكلا
وأكد شهود عيان من حضرموت أنهم شاهدوا خلال الأيام العشرة الماضية جنودًا باكستانيين في شوارع مدينة المكلا وبعض المحال، إلى جانب مشاهدات أخرى لهم في منطقتي الخشعة ونحب وهم يرتدون بزاتهم العسكرية.
وتشير معلومات محلية إلى أن الوجود الباكستاني يتركز حاليًا في مطار الريان الدولي بمدينة المكلا، وهو المقر الذي كان يستخدم سابقًا كمركز رئيسي للقوات الإماراتية في المحافظة.
كما توجد أعداد محدودة من القوات الباكستانية في مناطق الخشعة ونحب وحقول ومنشآت النفط في ساحل ووادي حضرموت، إلى جانب قوات سعودية وأخرى تابعة للحكومة اليمنية.
تعويض خروج القوات الإماراتية
وتقوم القوات الجديدة، وفق المعطيات المتداولة، بتغطية جزء من المهام التي كانت تتولاها القوة الإماراتية في حضرموت، ضمن مهام التحالف العربي لدعم الحكومة اليمنية، بعد إنهاء الدور الإماراتي في البلاد بضغط سعودي وطلب من قيادة مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
ولم يُستبعد أن يتم استقدام قوات من جنسيات متعددة إلى حضرموت أو مناطق يمنية أخرى، ضمن خطة أوسع لتعويض خروج القوات الإماراتية وإعادة توزيع الأدوار داخل التحالف.
وتزامنت الترتيبات الأخيرة مع إخراج قوات حماية حضرموت التابعة لحلف قبائل حضرموت من معسكر نحب ومناطق حقول النفط، وسط توجهات لضم هذه القوات إلى التشكيلات النظامية التابعة للحكومة اليمنية، وهو ما ترفضه بعض الأطراف المحلية في المحافظة.
موقف باكستاني ضبابي
في المقابل، تبدو المواقف داخل إسلام أباد غير واضحة بشأن طبيعة هذا الوجود، إذ تتحدث بعض التقديرات عن ارتباط الأمر باتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين باكستان والسعودية في 17 سبتمبر 2025، بينما تنفي روايات أخرى تأكيد إرسال قوات إلى اليمن بشكل مباشر.
وتؤكد مصادر باكستانية أن إرسال قوات إلى اليمن يظل ملفًا حساسًا للغاية، بسبب تعقيدات الأزمة اليمنية وتداخل أطراف إقليمية عديدة فيها، من بينها السعودية والإمارات وإيران.
وتشير التقديرات إلى وجود قوات باكستانية كبيرة داخل السعودية، تشمل جنودًا ومعدات عسكرية ودفاعات جوية، مع تأكيدات بأن إسلام أباد قد ترسل قوات إلى اليمن إذا طلبت الرياض ذلك رسميًا.
الأزمة الاقتصادية ودور السعودية
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية معقدة تمر بها باكستان، وحاجة متزايدة إلى الدعم المالي السعودي، خاصة بعد تراجع الدعم الإماراتي ومطالبة أبوظبي باسترداد ودائع مالية سبق أن قدمتها لإسلام أباد.
وكانت باكستان قد سددت للإمارات وديعة مالية بقيمة 3.45 مليارات دولار، في حين قدمت السعودية وديعة جديدة بقيمة 3 مليارات دولار، إلى جانب تمديد وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار، لدعم الاستقرار الاقتصادي الباكستاني.
ويرى مراقبون أن حاجة باكستان للدعم المالي السعودي قد تجعلها أكثر استعدادًا لتنفيذ طلبات الرياض الأمنية والعسكرية، بما في ذلك المشاركة في ترتيبات إقليمية داخل اليمن أو غيره من مناطق النفوذ السعودي.
مخاوف من تداعيات داخلية
وتثير احتمالات إرسال قوات باكستانية إلى اليمن تساؤلات داخلية في باكستان، خاصة في ظل حساسية الصراع اليمني وتعدد أطرافه الإقليمية، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات داخل الجيش الباكستاني نفسه.
وتحذر بعض التقديرات من أن انخراط الجيش الباكستاني في صراعات خارجية قد يخلق حالة من الجدل داخل المؤسسة العسكرية، خصوصًا مع وجود مكونات مذهبية مختلفة داخل صفوف الجيش، ومع حساسية العلاقة بين باكستان وكل من السعودية وإيران.
وبين الغموض الرسمي والتأكيدات المحلية، تبقى حضرموت في قلب ترتيبات أمنية جديدة، تعكس تغيرات عميقة في خريطة النفوذ داخل اليمن، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من إدارة التحالف للملف اليمني بعد تراجع الدور الإماراتي وصعود الدور السعودي المباشر.





