السودانملفات وتقارير

إرسال الإحداثيات: تهمة فضفاضة تستخدمها قوات الدعم السريع لاحتجاز المدنيين تعسفيا

تزايدت عمليات الاحتجاز القسري في السودان بسبب تهمة إرسال الإحداثيات العسكرية التي تستخدمها قوات الدعم السريع كذريعة قانونية لتبرير حملات الاعتقال الواسعة ضد المدنيين في مناطق سيطرتها المختلفة، حيث تحولت هذه التهمة من مصطلح فني عسكري إلى أداة لتقييد الحريات الشخصية ووضع الأفراد تحت طائلة المحاسبة الأمنية التعسفية دون وجود أدلة مادية ملموسة، مما يعكس حالة من الريبة والشكوك تجاه استخدام التكنولوجيا الحديثة.

بدأت عمليات التوقيف المرتبطة بـ إرسال الإحداثيات تتوسع لتشمل فئات متنوعة من الناشطين والمتطوعين وحتى المواطنين العاديين الذين يمارسون حياتهم اليومية، وتعتمد قوات الدعم السريع في سياستها الأمنية على مراقبة دقيقة لوسائل الاتصال الحديثة والأنشطة الرقمية، وتعتبر حيازة أجهزة الإنترنت الفضائي أو إجراء اتصالات مع مناطق خارج نطاق سيطرتها مؤشرات خطيرة على التعاون الاستخباراتي مع الجيش السوداني، مما أدى إلى تغييب العشرات من المدنيين في معتقلات سرية مجهولة المواقع.

شهدت مدينة غبيش في ولاية غرب كردفان واحدة من أبرز موجات الاعتقال المرتبطة بـ إرسال الإحداثيات في العشرين من مايو الماضي، حيث شنت قوات الدعم السريع حملة دهم واسعة طالت عشرات المدنيين من بينهم الفاتح وداعة الله والصادق محمد صالح وداعة الله، وذلك بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من استهداف سوق المدينة بواسطة طائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني، وتؤكد الوقائع الميدانية أن هذه الاعتقالات جرت دون أوامر قضائية وبناء على اتهامات بالتخابر وتزويد القوات المسلحة بمعلومات حول المواقع والتحركات العسكرية بالمدينة.

تكتسب قضية إرسال الإحداثيات أبعاداً أمنية معقدة في ظل استمرار الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، ويوضح اللواء معاش عثمان حسن أن دورة الاستهداف العسكرية تعتمد على حزمة معلوماتية متكاملة تتجاوز مجرد إرسال أرقام جغرافية، وتشمل هذه الدورة رصداً دقيقاً للأهداف وتحركات القوات والآليات والمراقبة البشرية، وتعتبر أجهزة الإنترنت الفضائي مثل ستارلينك وسيلة استراتيجية حيوية لنقل هذه البيانات في المناطق التي تعاني من انهيار كامل في شبكات الاتصالات التقليدية واللوجستية مما يرفع حدة التوجس الأمني.

أثارت هذه الممارسات تحذيرات حقوقية وقانونية واسعة من قبل جهات مثل محامو الطوارئ والمحامية وصال عبدالله، التي أكدت أن عمليات الاحتجاز المرتبطة بـ إرسال الإحداثيات تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القانونية الأساسية التي يكفلها القانون الدولي، وتندرج هذه التصرفات تحت قائمة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري الذي يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ارتكابه، حيث يُحرم المحتجزون من حقهم في التمثيل القانوني أو التواصل مع ذويهم في ظل غياب تام للرقابة القضائية على مراكز الاحتجاز غير المعلنة.

تعد تهمة إرسال الإحداثيات اليوم أخطر أداة لترهيب المدنيين وتصفية الخصومات في ظل غياب العدالة والمؤسسات القانونية، وتكشف التقارير المستقلة عن نمط متكرر من الانتهاكات التي تطال الموقوفين في مراكز الاعتقال السرية، حيث تظل عائلات المفقودين عاجزة عن معرفة مصير ذويها أو ظروف احتجازهم، مما يؤكد أن استخدام هذه التهمة الفضفاضة بات يشكل جوهر الأزمة الحقوقية في السودان، ويضع آلاف المدنيين في مواجهة مباشرة مع بيئة أمنية لا تعترف إلا بمنطق الشبهة بديلاً عن الحقيقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى