شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة.. 2030 (4) عقد اجتماعي جديد.. واتفاق على المستقبل

لا تسقط الأوطان عادةً يوم تهبط عملتها، ولا يوم ترتفع ديونها، ولا حتى يوم تتعثر حكوماتها. فالتاريخ يعلمنا أن الدول كثيرًا ما نجت من الحروب والمجاعات والانهيارات الاقتصادية، ثم عادت أكثر قوة مما كانت. السقوط الحقيقي يبدأ يوم تتصدع الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويوم يشعر المواطن أن الوطن لم يعد مشروعًا مشتركًا، بل عبئًا يتقاسمه الضعفاء وتحتكره القلة. تلك اللحظة تحديدًا هي اللحظة التي تبدأ فيها الأمم رحلتها نحو المجهول، مهما بدت مؤسساتها قوية ومبانيها شاهقة وخطاباتها مطمئنة.

عبر أكثر من أربعة عقود من العمل العام، وبين قاعات البرلمان، وساحات القضاء، ومعارك الدستور، وحوارات السياسة، لم أجد سؤالًا أكثر حضورًا من سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع. كانت الحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، والأزمات تتعاقب، لكن السؤال يبقى كما هو: لماذا تتسع المسافة بين المواطن والدولة كلما ازدادت الحاجة إلى الاقتراب؟ ولماذا تتراجع الثقة كلما ازدادت الدعوات إلى الاستقرار؟

تلك ليست أزمة مصر وحدها. فقبل ثمانية قرون تقريبًا، لم يكن النبلاء الإنجليز الذين فرضوا «الماجنا كارتا» على الملك يدافعون عن حقوقهم فقط، بل كانوا يضعون اللبنة الأولى لفكرة ستغير العالم كله لاحقًا: لا سلطة بلا حدود، ولا دولة بلا عقد يربط الحاكم بالمحكوم. وبعد ذلك بقرون، جاءت الثورة الفرنسية لتعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة والحقوق العامة. ثم شهد العالم نماذج متعددة، من الديمقراطيات الإسكندنافية إلى تجارب شرق آسيا، تؤكد أن استقرار الأمم لا يقوم على القوة وحدها، بل على الرضا العام والشعور بالمشاركة والعدالة.

مصر عرفت بدورها أشكالًا متعددة من هذا العقد. عرفته بصورة مبكرة مع دستور 1923، حين ارتبطت شرعية الدولة بفكرة التمثيل النيابي والحياة الحزبية والتعددية السياسية. وعرفته بصورة مختلفة بعد يوليو 1952، حين نشأ عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة الاجتماعية والتوظيف الحكومي والدعم الواسع والخدمات الأساسية، مقابل انكماش المجال السياسي وتراجع التعددية. ثم بدأت تلك الصيغة نفسها في التآكل تدريجيًا مع تغير الاقتصاد والمجتمع والعالم.

المشكلة الكبرى أن العقد القديم تراجع، بينما لم يولد العقد الجديد بعد. وهكذا وجدت مصر نفسها، كما وجدت أمم كثيرة قبلها، عالقة بين زمنين؛ زمن لم يعد قادرًا على الاستمرار، وزمن جديد لم تتحدد ملامحه بالكامل.

المواطن المصري اليوم لم يعد ذلك المواطن الذي عرفته الدولة قبل نصف قرن. مستوى التعليم تغير، ووسائل الاتصال تغيرت، وتوقعات الناس من الدولة تغيرت، والعالم نفسه تغير. المواطن الذي يدفع ضرائب ورسومًا أكبر، ويتحمل أعباء اقتصادية متصاعدة، ويعيش وسط عالم مفتوح يقارن فيه أوضاعه بأوضاع الآخرين كل يوم، لم يعد يكتفي بالشعارات العامة أو الوعود المؤجلة. إنه يبحث عن معادلة واضحة: ماذا تعطي الدولة؟ وماذا تطلب في المقابل؟

هنا تحديدًا يبدأ الحديث عن العقد الاجتماعي الجديد. ليس بوصفه مفهومًا فلسفيًا يدرسه طلاب العلوم السياسية، وإنما بوصفه ضرورة وطنية تمس الخبز والتعليم والصحة والضرائب وفرص العمل والحريات العامة ومستقبل الأجيال القادمة.

كثير من الأزمات التي نناقشها اليوم ليست سوى أعراض لغياب هذا العقد. أزمة الثقة في السياسة، وأزمة الثقة في الاقتصاد، وأزمة الثقة في الإعلام، وحتى أزمة الثقة في المستقبل. كلها تنبع من سؤال واحد: هل يشعر المواطن بأنه شريك في الوطن أم مجرد متلقٍ للقرارات؟

التجربة المصرية الحديثة تكشف بوضوح أن القوة وحدها لا تكفي. فالسلطة تستطيع إصدار القرارات، لكنها لا تستطيع فرض الثقة. ويمكنها إدارة الأزمات، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الرضا العام. أما المجتمعات التي تشعر أنها جزء من القرار، فإنها تصبح أكثر قدرة على تحمل أعباء الإصلاح وأكثر استعدادًا للدفاع عن الدولة وقت الشدائد.

لعل واحدة من أهم دروس العقود الأخيرة أن الاستقرار لا يُبنى فقط بالأجهزة، بل بالمؤسسات. ولا يتحقق فقط بالأمن، بل بالعدالة. ولا يُقاس فقط بغياب الاضطرابات، بل بوجود شعور عام بأن الجميع شركاء في المصير نفسه.

لهذا لم يكن غريبًا أن تنجح دول خرجت من ظروف أصعب كثيرًا من ظروف مصر. إسبانيا خرجت من عقود طويلة من الحكم السلطوي لتصبح واحدة من أكثر الديمقراطيات الأوروبية استقرارًا. جنوب أفريقيا خرجت من نظام الفصل العنصري دون حرب أهلية شاملة لأنها نجحت في بناء توافق وطني جديد. إندونيسيا انتقلت من نظام شديد المركزية إلى نظام أكثر انفتاحًا دون أن تفقد وحدتها. وكوريا الجنوبية لم تحقق معجزتها الاقتصادية إلا بعد أن اكتملت معجزتها المؤسسية.

القاسم المشترك بين تلك التجارب جميعًا لم يكن الاقتصاد وحده، بل الاتفاق على قواعد جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع. اتفاق يضمن الحقوق، ويحدد الواجبات، ويجعل القانون فوق الجميع، ويحول الخلاف السياسي من تهديد إلى أداة للتصحيح والتطوير.

مصر الممكنة تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ينطلق من واقعها لا من وصفات مستوردة. عقد يراعي خصوصيتها الحضارية والثقافية، لكنه لا يتجاهل دروس العصر. عقد يقوم على سبعة أعمدة رئيسية.

أول هذه الأعمدة هو المواطنة الكاملة. فلا مستقبل لدولة يشعر بعض أبنائها أنهم أقل حظًا أو أقل حضورًا أو أقل قدرة على الوصول إلى الفرص من غيرهم. المواطنة ليست شعارًا أخلاقيًا فقط، بل أساس الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

العمود الثاني هو سيادة القانون. فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم سلطاتها، بل بمدى خضوع الجميع للقواعد نفسها. القانون الذي يطبق على الضعيف فقط لا يحمي الدولة، بل يضعفها.

العمود الثالث هو المشاركة السياسية الحقيقية. ليس المقصود مجرد انتخابات دورية، بل وجود حياة حزبية حقيقية، ونقابات مستقلة، ومجالس محلية منتخبة، ومساحات آمنة للتعبير والتنظيم والمبادرة.

العمود الرابع هو العدالة الاجتماعية بمفهومها الحديث. عدالة لا تقوم على توزيع الفقر، بل على توسيع الفرص. عدالة تضمن تعليمًا جيدًا، ورعاية صحية كريمة، وفرصًا متكافئة للصعود الاجتماعي.

العمود الخامس هو اللامركزية. فالدولة التي تدار كلها من العاصمة تظل أسيرة المركز مهما توسعت. مصر الممكنة تحتاج إلى محافظات تمتلك صلاحيات حقيقية، ومجالس محلية تراقب وتخطط وتشارك في اتخاذ القرار.

العمود السادس هو اقتصاد يقوم على المنافسة والكفاءة وتكافؤ الفرص. اقتصاد يشعر فيه المستثمر الصغير كما الكبير أن القواعد واضحة وعادلة ومستقرة.

العمود السابع هو المعرفة. فالأمن القومي في القرن الحادي والعشرين يبدأ من المدرسة والجامعة ومركز الأبحاث بقدر ما يبدأ من الحدود والثكنات.

بحكم التجربة البرلمانية والدستورية الطويلة، تعلمت أن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود الخلافات، بل غياب الآليات التي تديرها. فالمجتمعات الحية تختلف بطبيعتها، لكن الدول الناجحة هي التي تحول الاختلاف إلى مصدر قوة لا إلى سبب للانقسام.

مصر الممكنة لا تحتاج إلى عقد اجتماعي يكتبه طرف واحد، ولا إلى اتفاق يفرضه المنتصر على المهزوم، ولا إلى رؤية تحتكرها الحكومة أو المعارضة. ما تحتاجه هو تفاهم

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى