
العمل السياسي بطبيعته يحتمل كثيرًا من صور الصراع والمنافسة، بل ويحتمل أحيانًا أساليب قاسية أو غير شريفة من الخصوم. والسياسي المحترم يدرك ذلك جيدًا، فلا يتوقف طويلًا أمام حملات التشويه، ولا أمام محاولات الانتهازيين اقتناص الفرص، ولا أمام نزعات الانتقام أو الشماتة أو محاولات التعويض عن عجز سابق عن المواجهة المباشرة. فكل ذلك يظل جزءًا من ضجيج السياسة الذي لا يستحق أن يشغل صاحب القضية أو يثنيه عن طريقه.
حتى إذا كانت هذه الممارسات تتم في إطار مؤامرة مدبرة أو حملة منظمة، فإن السياسي الحقيقي يتعامل معها بثبات وثقة، لأنه يعلم أن التاريخ لا يُكتب بالشائعات ولا بالمكائد، وإنما بالمواقف والإنجازات.
لكن ما يؤلم حقًا ليس طعنات الخصوم، بل الطعنات التي تأتي من الصف نفسه، من أشخاص يُفترض أن تجمعك بهم قضية واحدة وهدف واحد ومسار واحد. فحين تأتي الخيبة ممن يُفترض أنهم شركاء نضال، يكون وقعها أشد وأعمق من أي هجوم خارجي.
وفي الحقيقة، فإن المواقف الحقيقية لرفاق الدرب لا تتبلور في أوقات الهدوء، بل في لحظات الاختبار.
وقد يكون السياسي على حق، وقد يكون على غير حق، وقد تكون هناك حسابات داخلية أو خلافات مشروعة في الرأي والتقدير بين أبناء الصف الواحد، ولكن الفارق بين أصحاب المروءة وغيرهم يظهر في كيفية إدارة هذه الخلافات. فالنقد الشريف شيء، واستغلال لحظات الاستهداف أو الضعف لتصفية الحسابات شيء آخر تمامًا.
إن السياسي المحترم قد يتجاوز إساءات خصومه بسهولة، لكنه لا ينسى أبدًا ألم الخذلان من رفاق الطريق.
وهذه ليست مشاعر تخص سياسيًا بعينه، بل هي حقيقة يعرفها ويشعر بها كل سياسي محترم حمل يومًا قضية عامة وآمن بشرف العمل من أجلها.
وربما يكون في هذه الطعنة، على قسوتها وألمها، جانب آخر لا ينبغي إغفاله، فهي جرس إنذار لكل رجالات هذا الصف كي يعيد النظر في مواقفه وحساباته، ويدرك حقيقة من يسير معه.
فليست كل الوجوه التي تقف في الصف الواحد مؤمنة بالقدر نفسه من النضال أو الوفاء، وأحيانًا تكشف المحن فرقًا لم تستطع سنوات العمل المشترك أن تكشف حقيقتهم وضغائنهم.
وإلى كل صديق وسياسي محترم تلقى الطعنات من أقرب من في الصف: لا تحزن ولا تهن، فليس كل انتصار يُقاس بلحظته، وليس كل خسارة تُحسم في يومها.
وغدًا لناظره قريب، وحين ينقشع الغبار وتنكشف الحقائق، سيبقى أصحاب المواقف ثابتين في أماكنهم، أما أصحاب الحسابات الضيقة فسيحاكمهم التاريخ قبل أن يحاكمهم الناس.







