ترجمات

ميدل إيست آي : بين أمل الاتفاق وشبح الحرب.. الإيرانيون عالقون في منطقة رمادية

يعيش الإيرانيون حالة من القلق والترقب بعد أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وسط آمال حذرة في نجاح المفاوضات الجارية، ومخاوف متزايدة من انهيار التهدئة وعودة المواجهات العسكرية الواسعة.
ويصف كثير من الإيرانيين الوضع الراهن بأنه حالة «لا حرب ولا سلام»، بعدما أصبحت حياتهم اليومية وخططهم المستقبلية معلقة على نتائج مفاوضات لا تزال تفاصيلها غامضة، وتصريحات سياسية متناقضة تزيد من صعوبة التنبؤ بما قد يحدث.
أمل حذر في التوصل إلى اتفاق
وقال أفشين، وهو إيراني يبلغ من العمر 38 عامًا ويعيش في طهران، إن الإيرانيين يشعرون بالإرهاق بعد أشهر طويلة عاشوا خلالها إما في حالة حرب أو تحت تهديد اندلاعها.
وأضاف: «نحن منهكون، منذ الصيف الماضي بقينا إما في حالة حرب أو في ظل الحرب، آمل أن يتوصلوا إلى اتفاق كي نخرج أخيرًا من هذه الحالة المعلقة، أريد فقط أن تعود الحياة إلى طبيعتها».
ويأمل كثير من الإيرانيين في أن تنجح المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في تسوية الوضع الراهن، خاصة مع استمرار المحادثات التي تتوسط فيها عدة دول إقليمية، بينها باكستان وقطر، رغم الضربات الأمريكية على جنوب إيران والهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان.
وتحدثت تقارير خلال الأيام الماضية عن اتفاق محتمل يمنح الطرفين 60 يومًا إضافية من وقف إطلاق النار، يجري خلالها العمل على تفاهم أكثر شمولًا يتناول ملفات متعددة، بينها برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني وتخفيف العقوبات.
الضبابية تفرض عبئًا نفسيًا
ورغم الآمال في التوصل إلى اتفاق، لا توجد ضمانات بأن يتحول السيناريو المطروح إلى واقع، فيما تستمر حالة الضبابية التي تفرض عبئًا نفسيًا وعاطفيًا على الإيرانيين.
وقالت هدية، وهي شابة تبلغ من العمر 27 عامًا من طهران، إنها بدأت تعتقد أن نوعًا من الاتفاق ربما جرى التوصل إليه خلف الأبواب المغلقة.
وأضافت: «مما أقرأه في الأخبار، يبدو الأمر شبه محسوم، ويظهر أنهم لا يزالون يتفاوضون فقط على كيفية الإعلان عن الاتفاق وتوقيته».
لكنها أبدت شكوكًا في قدرة أي تفاهم مؤقت على الصمود، قائلة إن الحديث يدور عن تمديد وقف إطلاق النار لشهر أو شهرين فقط، قبل بدء مناقشة الملفات الأكثر تعقيدًا.
وتابعت: «لكن ماذا لو لم يكن هناك اتفاق نهائي؟ بصراحة لقد تعبنا، تعبنا من السماع عن اليورانيوم والبرنامج النووي والمفاوضات».
شكوك في نوايا ترامب
ولا يزال كثير من الإيرانيين مقتنعين بأن الحرب قد تعود، خاصة أن المواجهات السابقة اندلعت في أوقات كانت فيها طهران وواشنطن تجريان حوارًا عبر وسطاء.
وقال محمد، وهو رجل يبلغ من العمر 46 عامًا ويعيش في طهران: «لم أعد أثق بترامب، هاجمنا مرتين بينما كنا نتفاوض، فلماذا لا يحدث ذلك مرة ثالثة؟».
ويرى محمد أن الغموض الذي يحيط بالمفاوضات الحالية يعزز احتمال اندلاع حرب أخرى، خاصة مع صدور تصريحات متناقضة بشأن الاتفاق المحتمل.
وتراوحت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق، والإعراب عن عدم الرضا عن الشروط المطروحة، إلى جانب توجيه تهديدات وتحذيرات متكررة.
كل شيء معلق في الهواء
وأثرت حالة عدم اليقين على أصحاب الأعمال والمواطنين العاديين، الذين وجدوا أنفسهم غير قادرين على التخطيط للمستقبل أو اتخاذ قرارات اقتصادية وشخصية طويلة الأمد.
وقال حميد رضا، وهو صاحب متجر ملابس يبلغ من العمر 58 عامًا في طهران: «كل شيء في حياتنا معلق في الهواء، لا نعرف ماذا نفعل، السوق سيئ جدًا، ولا نستطيع التخطيط للمستقبل، حتى الزبائن يعيشون الوضع نفسه».
وعندما سُئل عما إذا كان يعتقد أن اتفاقًا سيُبرم في النهاية، قال إن الرئيس الأمريكي نفسه قد لا يعرف ما سيحدث، معتبرًا أن التنبؤ بالمستقبل أصبح صعبًا في ظل التصريحات المتغيرة باستمرار.
وأضاف: «أي شخص يخبرك بثقة بما سيحدث فهو دجال، العالم يتعامل الآن مع رجل ينام في ليلة ثم يستيقظ في صباح اليوم التالي ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا».
خطط الدراسة والسفر تتجمد
وأطاحت الضبابية بخطط ملموسة لعدد من الإيرانيين، خاصة الراغبين في الدراسة أو السفر إلى الخارج، في ظل تعثر إجراءات التأشيرات وتراجع قيمة العملة المحلية.
وقالت سيما، وهي شابة تبلغ من العمر 31 عامًا وتعمل في مختبر في طهران، إنها كانت تخطط لمتابعة دراستها في أوروبا، إلا أن الوضع الحالي جمّد إجراءات التأشيرات لمعظم الإيرانيين.
وأوضحت أن عددًا من السفارات الأوروبية في طهران أصبح شبه مغلق عمليًا، فيما يصعب الحصول على مواعيد داخل إيران أو التقدم عبر سفارات الدول الأوروبية في البلدان المجاورة.
وأضافت أنها أمضت أشهرًا في محاولة الحصول على قبول ببرنامج ماجستير في إيطاليا، لكن انهيار قيمة الريال غيّر حساباتها المالية، ورغم حصولها على خطاب القبول، لم تتمكن من حجز موعد للتأشيرة قبل بدء العام الأكاديمي الجديد.
مخاوف من فخ استراتيجي
ولا يؤيد جميع الإيرانيين التوصل إلى اتفاق سريع مع واشنطن، إذ يخشى بعضهم أن تتحول الجهود الدبلوماسية الحالية إلى فخ استراتيجي تخسر فيه إيران أوراق الضغط التي تملكها دون الحصول على مكاسب حقيقية.
وقال مهدي، وهو مهندس مدني يبلغ من العمر 41 عامًا، إن المفاوضات تثير تساؤلات حول ما ستقدمه إيران وما ستحصل عليه في المقابل.
وأضاف: «إذا كانوا أوقفوا الحرب وعادوا إلى المساومة، فذلك بسبب الضغط المرتبط بمضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط».
ويرى مهدي أن إعادة فتح المضيق مقابل الإفراج عن جزء محدود من الأموال الإيرانية المجمدة قد يمثل تنازلًا غير متوازن، ويؤدي إلى إضعاف إيران دون منع مواجهة عسكرية مستقبلية.
وتابع: «لا أقول إنني أحب الحرب، لكن الأسوأ من الحرب هو أن يستطيعوا الذهاب إلى أي مكان يريدونه وتفجير أجزاء من بلدك، ثم لا يحدث شيء حقيقي في المقابل».
بين خوفين
ويجد كثير من الإيرانيين أنفسهم عالقين بين خوفين متوازيين: الخوف من اندلاع حرب جديدة، والخوف من سلام هش لا يؤدي سوى إلى تأجيل المواجهة.
وتظل الحياة اليومية داخل إيران مرتبطة بنتائج مفاوضات غامضة، بينما يترقب المواطنون ما إذا كانت التحركات الدبلوماسية ستقود إلى اتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية والنفسية، أو إلى جولة جديدة من التصعيد العسكري.

المصدر : ميدل إيست آي عربي

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى