مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: الحماية التي تستجلب النار.. هل أصبحت المظلة الأمريكية عبئًا على أمن الخليج؟

لم يكن استهداف مطار الكويت الدولي مجرد ضربة على منشأة مدنية، ولا مجرد فصل جديد في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. الحدث كشف مفارقة أكثر قسوة في معادلة أمن الخليج: الدول التي تعتمد على المظلة الأمريكية للحماية قد تجد نفسها، في لحظة الانفجار، هدفًا بسبب هذه المظلة نفسها.

في مطار يفترض أن يكون عنوانًا للحركة المدنية لا ساحة لصراع عسكري، قُتل شخص وأصيب العشرات، وتعرض مبنى الركاب لأضرار جسيمة، وتعطلت الرحلات قبل أن تُستأنف جزئيًا من مبنى آخر. هكذا وصلت المواجهة إلى نقطة حساسة: المدنيون والبنى الحيوية في دولة خليجية حليفة لواشنطن، لكنها ليست راغبة في أن تكون طرفًا مباشرًا في الحرب. رويترز نقلت أن الهجوم ألحق أضرارًا بمطار الكويت الدولي، وتسبب في مقتل شخص وإصابة آخرين، ضمن موجة تصعيد شملت الكويت والبحرين والقوات الأمريكية في المنطقة.

السؤال المركزي لم يعد: هل تعرضت الكويت لضربة؟ بل: لماذا وصلت النيران إلى الكويت أصلًا؟ وهل كانت الكويت هدفًا بذاتها، أم أنها تحولت إلى صندوق بريد عسكري أرادت إيران، وفق الرواية الكويتية والأمريكية، أن ترسل من خلاله رسالة إلى واشنطن؟

مطار مدني في قلب معادلة عسكرية

خطورة ما جرى في مطار الكويت لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو بحجم الأضرار. فالمطار ليس قاعدة عسكرية، ولا مخزن ذخيرة، ولا مركز قيادة عمليات. إنه مرفق مدني، وبوابة دولة، ومرآة ثقة في الأمن الداخلي. وحين تطاله الصواريخ أو المسيّرات أو شظايا الاعتراض، فإن الرسالة لا تبقى عسكرية فقط؛ بل تصبح سياسية ونفسية واقتصادية.

تعليق الرحلات أو تحويلها ليس إجراءً فنيًا عابرًا. إنه إعلان عملي بأن المجال المدني الخليجي لم يعد بعيدًا عن ارتدادات الصراع. ضربة واحدة على مطار دولي تكفي لإرباك حركة السفر، ورفع مستويات القلق، ودفع شركات الطيران والتأمين إلى إعادة حساباتها، وإشعار المجتمع بأن الحرب التي كانت تُدار في البحر أو في القواعد لم تعد بعيدة عن الناس.

وهنا تتحول الكويت من دولة تحاول إدارة التوازن إلى نموذج لما يمكن أن تواجهه دول خليجية أخرى. فالخليج ضيق جغرافيًا، والقواعد قريبة من المدن، والمطارات والموانئ والبنى النفطية متداخلة مع مسارات التجارة والطاقة. لذلك، حين تتصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران، لا تبقى آثارها داخل حدود العسكريين وحدهم.

ما المؤكد وما المختلف عليه؟

المؤكد أن مطار الكويت الدولي تعرض لأضرار، وأن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة عشرات، وأن حركة الطيران تأثرت، وأن السلطات الكويتية تعاملت مع الحادث باعتباره اعتداءً على منشآت مدنية وحيوية. كما نقلت أسوشيتد برس أن الطائرات المسيّرة الإيرانية ألحقت أضرارًا كبيرة بمحطة ركاب في مطار الكويت الرئيسي، وقتلت شخصًا وجرحت العشرات، وأغلقت المطار لفترة وجيزة.

المؤكد أيضًا أن الحادث لم يبقَ في الإطار الأمني. فقد انتقل سريعًا إلى المجال الدبلوماسي، إذ قالت تقارير دولية إن الكويت استدعت ممثل طهران، واحتجت على الهجوم، وطردت دبلوماسيين إيرانيين بعد الضربة.

أما المختلف عليه فهو مصدر الضربة المباشرة التي أصابت مبنى الركاب. الرواية الكويتية والأمريكية تحمّل إيران المسؤولية، بينما تنفي طهران استهداف المطار وتدفع باتجاه رواية مغايرة تتعلق بفشل اعتراض أمريكي. غير أن هذا الجدل لا يغير جوهر الأزمة. سواء كانت الضربة مباشرة أو نتيجة اعتراض فاشل، فإن النتيجة السياسية واحدة: منشأة مدنية خليجية وجدت نفسها داخل ساحة الاشتباك الأمريكي ـ الإيراني.

وهنا تصبح القضية أكبر من سؤال: من أطلق المقذوف؟ أو من فشل في اعتراضه؟ فالمعنى الأهم أن الحرب وصلت إلى مرفق مدني حساس في دولة خليجية لم تكن تريد أن تكون واجهة الصراع.

الحماية الأمريكية: ضمانة أم عبء؟

تقوم معادلة الأمن الخليجي منذ عقود على فكرة واضحة: الولايات المتحدة توفر الردع، ودول الخليج توفر الشراكة والمواقع والتسهيلات. هذه المعادلة منحت دولًا خليجية شعورًا بالحماية في مواجهة تهديدات إقليمية كبرى، لكنها في الوقت نفسه جعلتها جزءًا من الحسابات العسكرية لخصوم واشنطن.

الكويت نموذج واضح لهذه المفارقة. فهي ليست دولة تصعيدية تجاه إيران، وليست من أكثر العواصم الخليجية اندفاعًا إلى المواجهة. لكنها حليف وثيق للولايات المتحدة، وتوجد على أرضها وحولها مصالح عسكرية أمريكية. وحين تتحول المواجهة بين واشنطن وطهران إلى تبادل ضربات، تصبح الجغرافيا الكويتية جزءًا من بنك الرسائل، حتى لو لم ترغب الكويت في ذلك.

رويتزر نقلت أن الجيش الأمريكي قال إن الهجمات الإيرانية شملت الكويت والبحرين، وإن القوات الأمريكية تعاملت مع صواريخ ومسيّرات إيرانية في المنطقة، كما تحدثت تقارير أخرى عن ضربات أمريكية على أهداف إيرانية في جزيرة قشم بعد محاولات استهداف مرتبطة بالكويت والبحرين.

لا يعني ذلك أن المظلة الأمريكية بلا فائدة. فوجود الدفاعات الأمريكية والخليجية قد يمنع ضربات أكبر، وقد يردع هجمات أكثر خطورة. لكن المشكلة أن الحماية نفسها تتحول أحيانًا إلى مغناطيس للخطر حين يقرر الخصم معاقبة واشنطن عبر محيطها الإقليمي. هنا لا يعود التحالف الأمني بوليصة تأمين فقط، بل يصبح أيضًا مصدر كلفة.

الكويت لا تريد الحرب… لكنها تدفع من كلفتها

أهمية الكويت في هذا التقرير أنها تكشف مأزق الدولة الخليجية التي تحاول البقاء خارج الحرب لكنها لا تستطيع الخروج من الجغرافيا. تستطيع الكويت أن تقول إن أراضيها وأجواءها لم تُستخدم لمهاجمة أي دولة، وتستطيع أن تنفي الاتهامات الإيرانية، لكنها لا تستطيع أن تنفي حقيقة أن موقعها وتحالفاتها يجعلانها داخل دائرة الخطر.

هذا هو جوهر المأزق الخليجي. دول الخليج تريد الحماية الأمريكية، لكنها لا تريد أن تتحول إلى منصات حرب. تريد ردع إيران، لكنها لا تريد صدامًا مباشرًا معها. تريد الحفاظ على أمنها وسيادتها، لكنها مرتبطة عسكريًا بقوة عالمية تخوض مواجهة مفتوحة أو شبه مفتوحة في المنطقة.

لذلك بدا الرد الكويتي حريصًا على التوازن. لم تنزلق الكويت إلى خطاب عسكري مفتوح، لكنها لم تكتفِ ببيان إدانة عابر. الاحتجاج الدبلوماسي، وطرد دبلوماسيين، وتأكيد رفض استخدام الأراضي الكويتية في أي عمل عدائي، كلها رسائل مزدوجة: للكويت سيادة لا تقبل المساس، لكنها لا تريد أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب أوسع.

إيران تضغط على واشنطن عبر الخاصرة الخليجية

إذا صحت الرواية الكويتية والأمريكية، فإن ضرب الكويت أو استهداف محيط القوات الأمريكية فيها يحقق أكثر من غرض بالنسبة لطهران. فهو يبعث برسالة إلى واشنطن بأن مصالحها وحلفاءها في الخليج ليسوا خارج مدى الرد، ويضغط على الدول المضيفة كي تراجع كلفة استضافة الوجود الأمريكي، ويذكّر الأسواق بأن الخليج كله قابل للاشتعال إذا توسعت المواجهة.

هذه ليست استراتيجية جديدة بالكامل. إيران تاريخيًا استخدمت مزيجًا من الرد المباشر، والضغط عبر الحلفاء، والتهديدات البحرية، واستهداف المصالح القريبة من الولايات المتحدة. لكن الجديد هنا هو أن الضربة وصلت إلى مرفق مدني شديد الحساسية، بما يجعل الرسالة أكثر خطورة وأعلى كلفة سياسيًا.

ما حدث في الكويت يقول لدول الخليج إن التوازن بين واشنطن وطهران أصبح أصعب. حتى الدولة التي لا تريد التصعيد قد تُعاقَب لأنها جزء من البنية الأمنية الأمريكية في المنطقة. هذه هي النقطة التي تجعل زاوية “كلفة الحماية” أقوى من زاوية “سقوط المنطقة الآمنة” وحدها؛ فالأولى لا تكتفي بوصف النتيجة، بل تشرح لماذا سقطت هذه المنطقة الآمنة.

مجلس التعاون أمام اختبار جماعي

لا يمكن التعامل مع ضرب مطار الكويت كقضية كويتية فقط. إذا أصبح استهداف منشأة مدنية في دولة خليجية جزءًا من أدوات الضغط في صراع إقليمي، فإن كل دول مجلس التعاون معنية. فالمطارات والموانئ ومحطات الطاقة ليست منشآت محلية فحسب، بل جزء من شبكة اقتصادية وأمنية مترابطة.

لهذا، فإن الرد الخليجي لا ينبغي أن ينحصر في بيانات تضامن. المطلوب مراجعة أعمق لمفهوم الأمن الجماعي: كيف تُحمى المنشآت المدنية؟ كيف تُفصل المطارات والموانئ عن معادلات الردع العسكري؟ كيف يمكن للدول الخليجية أن تستفيد من الشراكة الأمريكية من دون أن تصبح رهائن كاملة لها في لحظات الصدام؟

الرد الجماعي لا يعني بالضرورة التصعيد العسكري. يمكن أن يكون سياسيًا وقانونيًا وأمنيًا: توثيق الهجمات، رفع الملف إلى المؤسسات الدولية، تعزيز الدفاع الجوي المشترك، ووضع خطوط حمراء واضحة حول استهداف المدنيين والبنى الحيوية. فترك كل دولة تواجه الخطر وحدها يجعل المنطقة كلها أكثر قابلية للابتزاز العسكري.

المنطقة الرمادية تضيق

لسنوات، عاشت دول خليجية في مساحة رمادية: شراكة أمنية عميقة مع الولايات المتحدة، وقنوات تهدئة مع إيران، ورغبة في عدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. لكن ضرب مطار الكويت يكشف أن هذه المساحة تضيق. فحين تشتد الحرب، لا يكفي أن تقول الدولة إنها محايدة عملياتيًا، لأن موقعها وتحالفاتها قد يجرانها إلى قلب المشهد.

الخطر ليس فقط في أن الخليج قد يدخل الحرب، بل في أن الحرب قد تدخل المجال المدني الخليجي من دون قرار خليجي واضح. قد يحدث ذلك بصاروخ يخطئ هدفه، أو مسيّرة تفلت من الدفاعات، أو اعتراض فاشل، أو ضربة مقصودة لإرسال رسالة. وفي كل الحالات، تكون النتيجة واحدة: المدنيون يدفعون ثمن معادلات أكبر منهم.

حين تصبح الحماية جزءًا من الخط
ضرب مطار الكويت لا يعني بالضرورة أن الخليج دخل حربًا شاملة، لكنه يؤكد أن الحرب لم تعد بعيدة عن المجال المدني الخليجي. والأهم أنه يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل لا تزال المظلة الأمريكية ضمانة أمن خالصة، أم أصبحت في لحظة التصعيد عبئًا يستجلب النار إلى الدول المضيفة؟

الكويت لم تكن تبحث عن حرب، لكنها وجدت نفسها في قلبها. وهذا بالضبط ما يجعل الحادث أكبر من ضربة على مطار. إنه إنذار لدول الخليج كلها بأن الأمن لا يُقاس فقط بعدد القواعد والحلفاء ومنظومات الدفاع، بل أيضًا بقدرة الدولة على ألا تتحول إلى ساحة رسائل بين الآخرين.

في النهاية، قد تكون الحماية الأمريكية ضرورة أمنية لدول الخليج، لكنها لم تعد بلا ثمن. وما جرى في الكويت يكشف أن السؤال القادم لن يكون فقط: من يحمي الخليج؟ بل: كيف يحمي الخليج نفسه من كلفة من يحميه؟

ما جرى في الكويت لا يقول إن الخليج دخل الحرب، لكنه يقول إن الحرب باتت قادرة على دخول المجال المدني الخليجي من بوابة التحالفات التي وُجدت أصلًا لمنعها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى