مقالات وآراء

شادي طلعت يكتب: هل سقط نخنوخ أم سقطت أوهام الحماية؟


أصبح اسم صبري نخنوخ حديث المجالس، وشاغل الرأي العام، ومادة خصبة للتحليل والتأويل، حتى خيل للبعض أن ما جرى معه دليل على سقوط رجل كان يتمتع بحماية استثنائية، أو أن الدولة قد رفعت عنه مظلتها التي ظنها البعض قائمة فوق رأسه منذ سنوات.
غير أن السؤال الحقيقي ليس : هل سقط نخنوخ ؟
بل السؤال هو : هل كان الرجل يوماً محمولاً على أكتاف السلطة كما يتصور البعض ؟ وفي تقديري، الإجابة بالنفي.
فصعود صبري نخنوخ إلى عالم المال والأعمال، لم يكن نتاج قرار سياسي، ولا ثمرة رضا من نظام الحكم، وإنما جاء في جانب كبير منه، نتيجة قراءة دقيقة للواقع، واستشارة أهل الخبرة من القانونيين والاقتصاديين وأصحاب الرؤية الاستثمارية، وذلك بعد أن خرج صبري نخنوخ إلى الحياة العامة عقب حصوله على عفو رئاسي وإخلاء سبيله.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الرجل ذلك الاسم المرتبط في أذهان كثيرين بصور الماضي، بل اتجه إلى الاستثمار والأعمال، وارتبط اسمه بعدد من المشروعات والشركات، حتى أصبح أحد الأسماء المعروفة في عالم الاستثمار، وامتلك حصصاً ومصالح اقتصادية متعددة، من بينها شركة فالكون وغيرها من الأنشطة التجارية والاستثمارية.
ولعل المشكلة المزمنة لدى قطاع من المصريين أنهم يربطون بين النجاح الاقتصادي ورضا السلطة السياسية، وكأن رجل الأعمال لا يمكن أن ينجح إلا إذا سار في ركاب الحاكم، أو جلس في ظل رضاه.
والحقيقة أن التجارب الاقتصادية الناجحة في العالم كله تثبت أن المستثمر كلما ابتعد عن دهاليز السياسة اقترب من تحقيق النجاح، وكلما انشغل بالأرباح أكثر من انشغاله بالتحالفات، ازدادت فرص بقائه واستمراره.
لقد وجد نخنوخ طريقاً جديداً بعد خروجه من محبسه، وأعاد ترتيب أوراقه، ودخل معترك الاقتصاد والاستثمار.
وخلال السنوات الماضية لم تتردد حوله وقائع جنائية كبرى أو اتهامات تماثل ما ارتبط باسمه في أزمنة سابقة، إلى أن جاءت واقعة معرض السيارات التي تخضع اليوم لتحقيقات الجهات المختصة.
وهنا ينبغي التذكير بحقيقة قانونية مهمة، وهي أن القضية ما زالت في مراحلها الأولى، ولم يصدر فيها حكم قضائي بات، ومن ثم فإن الأصل هو قرينة البراءة، وهي القاعدة الذهبية التي لا يجوز تجاوزها تحت ضغط الرأي العام أو ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن ثم، فإن كل الاحتمالات لا تزال قائمة، فقد تنتهي التحقيقات إلى الإدانة، وقد تنتهي إلى البراءة، وقد تحفظ الأوراق إذا تبين عدم كفاية الأدلة أو انتفاء أركان الجريمة.
كما أن من حق أي متهم، ونخنوخ ليس استثناء أن يستخدم كل الوسائل القانونية المشروعة للدفاع عن نفسه، وأن يستعين بأفضل الخبرات القانونية، وأن يسلك كل طريق رسمه القانون للوصول إلى البراءة، فهذا حق كفله الدستور قبل أن تكفله المحاكم.
أما جوهر ما أريد قوله :
فهو أن الواقعة الحالية لا تثبت أن الدولة تحمي نخنوخ، ولا تثبت كذلك أنها تستهدفه، وإنما تؤكد في تقديري :
أن مؤسسات الدولة تسير وفق إجراءات قانونية لا تفرق بين اسم كبير واسم صغير، ولا بين مشهور ومغمور.
ودلالة ذلك تتجلى في وقائع عديدة شهدتها السنوات الأخيرة، فقد رأينا قضاة يخضعون للتحقيق والمحاكمة في قضايا جنائية، ورأينا ضباط شرطة ومسئولين وقيادات تنفيذية وعسكرية تتم مساءلتهم عندما تنسب إليهم مخالفات أو جرائم، وهو أمر لم يكن مطروحاً بالقدر ذاته في عصور سابقة كانت بعض الملفات تغلق فيها قبل أن تصل إلى منصة القضاء.
إننا أمام دولة شئنا أم أبينا، أصبحت أكثر ميلاً إلى إعمال الإجراءات القانونية في مواجهة الوقائع المثارة، وأقل ميلاً إلى صناعة مناطق محظورة لا تطالها المساءلة.
وهذه نقطة قد يختلف حولها الناس، لكنها تبقى من أبرز السمات التي يراها مؤيدو النظام ومعارضوه على السواء.
أما صبري نخنوخ، فهو في نهاية المطاف مواطن مصري، حقق نجاحاً اقتصادياً يراه البعض مستحقاً، ويراه آخرون محل جدل.
لكنه يظل خاضعاً للقانون كغيره من المواطنين، لا يعلو عليه ولا يخرج من نطاقه.
وقضيته الراهنة ليست سوى قضية منظورة أمام جهات التحقيق والقضاء المختصة، وستأخذ مسارها الطبيعي حتى نهايتها.
وقد يحصل فيها على البراءة بحكم قضائي، وقد تنتهي بقرار حفظ، وقد تسفر عن نتيجة أخرى تقررها الأوراق والأدلة وحدها، لا الانطباعات ولا الشائعات.
وفي النهاية :
فإن الأفراد يصعدون ويهبطون، وتتبدل الأسماء والوجوه، أما الدولة فلا تستقيم إلا بسيادة القانون، ولا تبقى إلا حين يكون ميزان العدالة فوق الجميع، فلا كبير أمام القضاء، ولا حصانة إلا للحق.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى