شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: من باريس إلى مصر.. الحرية ليست ترفًا في زمن الأزمة

هذا الصباح أطل على مصر من باريس، بعد أيام حافلة باللقاءات السياسية والدبلوماسية المهمة والملهمة، وأنظر اليوم إلى المشهد المصري الذي لم أغادره يومًا، رغم غياب امتد قرابة ثلاثة عشر عامًا. فالوطن لا تقيسه الجغرافيا، ولا تلغيه المسافات، ولا يبتعد عمن حمله في قلبه كما يحمل الجرح ذاكرته، وكما يحمل النيل طميه القديم إلى آخر موجة.

أطل على مصر فأراها كما هي في الوجدان: بلدًا عظيمًا ينهكه سوء الاختيار، وشعبًا صبورًا يطارده الغلاء، ودولة عريقة تبحث عن عقل سياسي يليق بتاريخها. لا تبدأ السياسة في مصر من قاعات الحكم وحدها، بل من رغيف الخبز، وفاتورة الكهرباء، ودواء تأخر شراؤه، ومعاش لا يسع آخر الشهر، وأم تحسب أيامها بالجنيهات لا بالتقويم.

يبدو المشهد المصري اليوم كمرآة مكسورة تتجاور فيها الأرقام مع الآلام. قد تتراجع بعض المؤشرات في نشرات رسمية، لكن وجع الناس لا يتراجع بالوتيرة نفسها. فالأسرة المصرية لا تقرأ الاقتصاد كما يقرأه الخبراء، بل تقرأه في كيس خضار صار أخف، وعلبة دواء صارت أثقل، ومواصلات تحولت إلى امتحان يومي في صبر لم يعد يملك رفاهية الشكوى.

يقف الجنيه المصري كعابر متعب على جسر طويل بين الخوف والانتظار. لا تستقر العملة بقرارات الفائدة وحدها، ولا تطمئن الأسواق بمجرد بيانات الطمأنة. العملة ابنة الثقة، والثقة ابنة السياسة، والسياسة لا تكون رشيدة إلا إذا احترمت العقل والناس والرقابة وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. الاقتصاد الذي لا ينتج كفايته، ولا يطلق طاقات أبنائه، يظل معلقًا بين قرض جديد وأزمة مؤجلة.

صارت الطاقة العصب المكشوف في الجسد المصري. كل اضطراب في الخليج، وكل قلق في هرمز، وكل ارتفاع في النفط، يتحول سريعًا إلى ظل ثقيل على الموازنة والمصنع والبيت. وحين ترتفع كلفة الطاقة، لا ترتفع فاتورة الحكومة وحدها، بل ترتفع معها أسعار السلع، وتضيق فرص العمل، ويزداد ثقل الحياة على كتف المواطن الذي لا يملك إلا أن يدفع ثمن قرارات لم يشارك فيها.

يدخل الدعم الاجتماعي منطقة دقيقة بين الإصلاح والتقليص. لا أحد يعترض على وصول الدعم إلى مستحقيه، لكن السؤال: من يحدد الاستحقاق؟ وبأي شفافية؟ وبأي حق في التظلم؟ وبأي رقابة؟ الإصلاح الحقيقي لا يسقط الفقراء من دفاتر الدولة، بل يذهب إليهم قبل أن تسقطهم الحياة من دفاترها. الدولة العادلة لا تختبر ضعف مواطنيها، بل تسندهم حين تشتد الريح.

تبقى غزة الجرح الأقرب إلى مصر، لا بحكم الحدود وحدها، بل بحكم التاريخ والضمير والأمن القومي. كل خيمة تُقصف هناك تصيب وجدان القاهرة بشظية، وكل حديث عن تهجير يطرق باب مصر كخطر لا كخبر. الدور المصري لا ينبغي أن يكون إدارة هدوء مؤقت بين جولات النار، بل دفاعًا واضحًا عن حق الفلسطينيين في الأرض والحياة، ورفضًا قاطعًا لأي محاولة لتصفية القضية على حساب سيناء أو على حساب الشعب الفلسطيني.

لم تعد لبنان والخليج والبحر الأحمر خرائط بعيدة على شاشة الأخبار. صارت كلها ممرات إلى الجنيه، وإلى قناة السويس، وإلى سعر الوقود، وإلى مزاج المستثمر والسائح والتاجر. العالم حولنا يشتعل كغابة في صيف سياسي طويل، ومصر لا تستطيع أن تغلق نوافذها وتدّعي أن الدخان لن يدخل. الجغرافيا لا ترحم الدول التي تتأخر في بناء مناعتها.

يظل السودان خاصرة جنوبية مفتوحة على قلق مصري عميق. حربه ليست مأساة سودانية فقط، بل سؤال عن الحدود، والغذاء، والمياه، والهجرة، والعمق الإفريقي الذي أهملناه طويلًا حتى عاد يطالبنا بحساب الغياب. مصر التي صنعت حضورها التاريخي في إفريقيا لا يجوز أن تكتفي بدور المتفرج على انهيار جوارها الحيوي، ولا أن تترك فراغها يملؤه الآخرون.

يدخل العالم كله زمنًا أكثر خشونة. الحروب لم تعد تقع في مكان واحد، بل تتنقل آثارها بين الموانئ والبنوك والأسواق والبيوت. أوكرانيا، وغزة، ولبنان، وهرمز، والبحر الأحمر، كلها أسماء مختلفة لامتحان واحد: كيف تبقى الدول واقفة حين تهتز الأرض من حولها؟ الدول التي تعتمد على الاقتراض أكثر من الإنتاج، وعلى الدعاية أكثر من المصارحة، وعلى المركزية أكثر من المشاركة، تدفع في مثل هذه اللحظات الثمن الأثقل.

تحتاج مصر اليوم إلى شجاعة المكاشفة قبل خطاب الطمأنة. لا تحتاج دولة تطلب من الناس الصبر بلا نهاية، بل دولة تقول لهم الحقيقة، وتوزع الأعباء بعدالة، وتفتح المجال العام، وتحترم البرلمان، وتعيد للرقابة معناها، وللمواطن مكانته، وللاقتصاد روحه المنتجة. فالاستقرار لا يولد من الصمت، بل من الرضا، والرضا لا يولد من الخوف، بل من العدل.

أطل من باريس على مصر، فأشعر أن المسافة لا تزيدني إلا اقترابًا. المنفى ليس خروجًا من الوطن، بل دخول مؤلم إلى عمقه. ومن يرى بلده من بعيد، يراه أحيانًا كما تُرى المدن من فوق الغيم: أصغر في الخريطة، أكبر في القلب. مصر التي أحببناها لا تزال قادرة على النهوض، لكنها تحتاج أن تكف عن السير وهي مغمضة العينين نحو الهاوية، وأن تفتح نوافذها للحرية، فالحرية ليست ترفًا في زمن الأزمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى