
لا أقدر أجهّز النص للنشر بصياغته الأصلية لأنه يتضمن تعميمات مسيئة ضد اليهود كجماعة دينية/عرقية. هذه نسخة منضبطة تحافظ على الفكرة العامة في نقد النصوص المحرّفة والتوظيف الصهيوني السياسي والديني دون تعميم أو إساءة جماعية.
قراءة نقدية في تحريف النصوص والتوظيف الصهيوني للدين
كثيرة هي التحريفات التي نالت من النصوص المنسوبة إلى التراث الديني اليهودي، كما أن التداخل البشري الذي طال التوراة ظل متعدد الجوانب، لكونها، على عكس القرآن الكريم، لم تُسطر أو تُكتب وقت نزولها في حينه، إذ كُتبت، وفق كثير من الدراسات التاريخية، خلال الفترة من القرن الخامس إلى القرن الثاني قبل الميلاد، أي بعد قرون طويلة من رحيل نبي الله موسى عليه السلام، وعلى الأرجح أنها كُتبت على مراحل متعددة.
وإذا كانت تلك هي حال التوراة من حيث تاريخ التدوين، فما بالنا بالعهد القديم بأسره، الذي لم يرد ذكره في القرآن صراحة أو تلميحًا. والعهد القديم هو عبارة عن التوراة والأسفار الأخرى التي نُسبت إلى أنبياء بني إسرائيل، إضافة إلى ما كُتب فيها من قبل الأحبار من غير الأنبياء، وغالبيتهم العظمى جاؤوا بعد النبي موسى عليه السلام.
وقد روجت بعض كتابات العهد القديم، كما يراها هذا النقد، لأفكار استُخدمت لاحقًا في بناء الأيديولوجية الصهيونية، لتبرير امتلاك الأرض المقدسة، وتسويغ العنف والهيمنة والاحتلال ونهب الأراضي وتدنيس المقدسات وسلب المقدرات والأموال وتشريد السكان أصحاب الأرض الأصليين.
صحيح أن الله عز وجل أمر بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة دخولًا مشروطًا، بغرض تحريرها من عبادة الأصنام، إلا أن النكث بالعهد والقتل والتعذيب وتحريف كلام الله مثّل خروجًا على هذا الشرط، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «أوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم».
كتب ما أنزل الله بها من سلطان
ومن يقرأ في تاريخ النصوص المنسوبة إلى بني إسرائيل يدرك أن كثيرًا منها حمل صورًا من التشويه والتحريف، سواء في ما يتعلق بصورة الأنبياء أو الأحبار أو الوقائع التاريخية. فقد نُسبت إلى بعض الأنبياء أوصاف واتهامات لا تليق بمقام النبوة، بل إن بعض النصوص لم تُنزّه حتى نبي الله موسى عليه السلام من هذه الروايات.
وفي القرآن الكريم لم يرد عن الله عز وجل اسم أي كتب في هذا السياق سوى التوراة والزبور، فقد نزلت التوراة على النبي موسى عليه السلام، ونزل الزبور على النبي داود عليه السلام. أما ما عدا ذلك من أسفار وإصحاحات نُسبت إلى أنبياء أو أحبار، فلم يرد نص قرآني قاطع بتسميتها كتبًا سماوية مستقلة.
ومن هنا فإن الادعاء بوجود أسفار سماوية أخرى غير التوراة والزبور يظل من الروايات التي تحتاج إلى نظر وتدقيق. فالحديث عن أسفار صموئيل الأول والثاني، وإشعيا، وإرميا، وحزقيال، وهوشع، وعاموس، ويونان، وميخا، وغيرهم ممن نُسبت إليهم النبوة في التراث اليهودي، يظل محل بحث، خاصة أن القرآن الكريم أشار إلى وجود رسل لم تُذكر أسماؤهم تفصيلًا في قوله تعالى: «ورسلا قد قصصناهم عليك ورسلا لم نقصصهم عليك».
لكن ما يلفت النظر في هذه الأسفار، حال التسليم بوجود أصل ديني لبعضها، أنها تعرضت بدورها للتحريف والتداخل البشري، شأنها شأن نصوص أخرى طالها النقل والتدوين المتأخر. فإذا كانت التوراة نفسها قد كُتبت بعد زمن طويل من وفاة النبي موسى عليه السلام، فإن الأسفار الأخرى، الأقل منزلة والأكثر تأخرًا، أولى بالفحص والنقد التاريخي.
تناقض الأسفار وتطاولها على الأنبياء يؤكدان إشكالية التحريف
تتألف التوراة من خمسة أسفار هي: التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية. فسفر التكوين يتناول الفترة من خلق الأرض حتى نبي الله يوسف عليه السلام، مرورًا بخلق آدم. وسفر الخروج يتناول الفترة ما بين النبي يوسف حتى النبي يوشع بن نون، خليفة موسى عليهما السلام. وسفر اللاويين يضم أحكام الطهارة والذبائح والنذور وبعض الشرائع. وسفر العدد يتناول حصرًا لقبائل بني إسرائيل وممتلكاتها منذ يعقوب عليه السلام. أما سفر التثنية فيتضمن عبادات وأمورًا اجتماعية وسياسية واقتصادية وبعض الخطابات المنسوبة إلى النبي موسى عليه السلام.
وتبرز إشكالية التحريف من حيث الشكل والمضمون معًا. فمن حيث الشكل، توجد داخل النصوص عبارات سردية متكررة من قبيل «قال الرب لموسى» و«قال موسى للرب»، بما يوحي بأن الكاتب ليس هو الله عز وجل، وليس موسى عليه السلام. كما يرد في سفر التثنية نص يتحدث عن موت موسى عليه السلام، وهو ما يثير سؤالًا منطقيًا: كيف يكتب النبي موسى في التوراة كلامًا بعد موته وعن موته؟
أما من حيث المضمون، فتوجد نصوص وروايات يستحيل نسبتها إلى الوحي الإلهي كما هو مفهوم في العقيدة الإسلامية. ومن ذلك ما يرد في بعض الأسفار من تصوير لا يليق بجلال الله عز وجل، أو روايات تحمل تناقضات واضحة حول رؤية الله أو مخاطبته، أو روايات تخالف التصور الإسلامي المعروف عن الأنبياء ومقاماتهم.
وخارج التوراة، لكن ضمن العهد القديم، ترد في بعض الأسفار عبارات تمس بعض الأنبياء بأوصاف لا تليق بمقامهم، ومن بينهم داود وسليمان عليهما السلام. وهذا يتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم من تنزيه لمقام الأنبياء، ومع ما جاء في قوله تعالى: «لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون».
عقيدة العنف وسفك الدماء في بعض النصوص
تتضمن بعض الأسفار عبارات منسوبة إلى الله زورًا تبرر الاستحواذ والعنصرية والإبادة، وهي عبارات يستحيل لعاقل أن ينسبها إلى الله عز وجل بما عُرف من صفاته في الرحمة والعدل والسلام، فهو الرؤوف، العفو، الغفور، الحق، الحكيم، البر، المقسط، الودود.
ومن بين هذه النصوص ما يُنسب إلى سفر يوشع من أوامر بالإبادة الشاملة، بما في ذلك قتل الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، وهي نصوص تُستخدم في بعض القراءات المتطرفة لتبرير العنف والسيطرة والاستعلاء على الآخرين.
وهنا تكمن خطورة التوظيف السياسي والديني للنصوص المحرفة أو المؤولة تأويلًا متطرفًا، إذ تتحول من نصوص تاريخية أو دينية محل جدل إلى أدوات لتبرير الاحتلال وسفك الدماء، وإضفاء قداسة زائفة على مشاريع الهيمنة والعنصرية.
الشتات والتوظيف السياسي للتاريخ
لقد ارتبط تاريخ بني إسرائيل، كما يقدمه القرآن والتاريخ، بمراحل من الشتات والاضطراب نتيجة النكث بالعهد والابتعاد عن أوامر الله. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قراءة التاريخ وحدها، بل في استخدامه لتبرير سياسات معاصرة تقوم على الاحتلال والتهجير والعنف ومصادرة حقوق الشعوب.
ومن هنا فإن نقد الصهيونية السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى تعميم على اليهود كجماعة دينية أو عرقية، بل يجب أن يظل موجهًا إلى المشروع السياسي الذي استغل الدين والتاريخ والأسطورة لتبرير اغتصاب الأرض، وتشريد أصحابها، وتكريس واقع احتلالي عنيف على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
وللحديث بقية.







