د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (9).. الموازنة وشرعية الدولة المالية

تابعت خلال الأيام الأخيرة الطريقة التي نوقشت بها الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 تحت قبة البرلمان المصري. لم يكن المشهد مدعاة للدهشة بقدر ما كان مدعاة للأسف. فالقضية لم تكن في سرعة المناقشات أو في نتيجة التصويت المتوقعة سلفًا، بل في أن النقاش نفسه كشف عن أزمة أعمق من أرقام الموازنة وعجزها وإيراداتها. أزمة تتعلق بفهم الموازنة ذاتها، وبالدور الذي يفترض أن تؤديه داخل الدولة الحديثة.
بدا وكأن الموازنة تُناقش باعتبارها جداول حسابية معقدة تخص وزارة المالية وخبراء الاقتصاد وبعض أعضاء البرلمان، بينما هي في حقيقتها واحدة من أهم الوثائق السياسية والدستورية والاجتماعية في الدولة. فالموازنة ليست مجرد تقدير للإيرادات والمصروفات، بل تعبير عملي عن فلسفة الحكم، وعن أولويات السلطة، وعن طبيعة العقد القائم بين الدولة والمجتمع.
خلال سنوات طويلة قضيتها تحت قبة البرلمان، وخاصة في لجنة الخطة والموازنة، كنت أعود دائمًا إلى السؤال نفسه: لماذا ننشغل بالأرقام أكثر مما ننشغل بالمعنى؟ ولماذا نناقش حجم الإنفاق أكثر مما نناقش أثره؟ ولماذا تتحول الموازنة إلى عملية حسابية ضخمة بينما يفترض أن تكون خريطة طريق لمستقبل الدولة؟
لم تكن المشكلة في نقص الجداول أو البيانات أو الملاحق الفنية، بل في غياب السؤال الأساسي: ماذا تريد الدولة أن تحقق؟ وكيف ستقيس نجاحها؟ وكيف سيعرف المواطن أن الأموال التي جُمعت باسمه قد عادت إليه في صورة تعليم أفضل أو صحة أفضل أو فرص عمل أكثر أو خدمات أكثر كفاءة؟
يرتبط هذا السؤال بجوهر الدولة الحديثة نفسها. فالموازنة العامة ليست وثيقة مالية فقط، بل وثيقة شرعية. ومن هنا جاء عنوان هذه الحلقة: «الموازنة وشرعية الدولة المالية». فالسلطة التي تحصل الضرائب وتنفق المال العام لا تكتسب شرعيتها من حق التحصيل وحده، بل من قدرتها على تقديم كشف حساب واضح للمجتمع حول كيفية إدارة هذه الموارد.
لم يكن من قبيل المصادفة أن تنشأ البرلمانات الحديثة أصلًا من معارك حول المال العام. فقبل أن تصبح الديمقراطية حقًا في الانتخاب، كانت حقًا في الرقابة على الضرائب والإنفاق. وقبل أن يصبح البرلمان مؤسسة تشريعية، كان أداة لحماية المجتمع من إنفاق السلطة دون رقابة أو مساءلة.
لهذا السبب فإن الرقابة البرلمانية على الموازنة ليست إجراءً شكليًا، وليست مجاملة دستورية، وليست مرحلة بروتوكولية تسبق التصويت النهائي. إنها إحدى أهم ضمانات الدولة الديمقراطية. ومن دونها تتحول الموازنة إلى قرار تنفيذي مغلق يفقد أحد أهم عناصر شرعيته السياسية.
ترتبط بهذه الفكرة مجموعة من المبادئ المالية التي تبدو للوهلة الأولى قواعد محاسبية بحتة، لكنها في حقيقتها ضمانات ديمقراطية متكاملة. فمبدأ وحدة الموازنة، ومبدأ شمولها، ومبدأ علانيتها، ومبدأ سنويتها، ومبدأ الرقابة البرلمانية عليها، كلها أدوات لحماية حق المجتمع في المعرفة والمساءلة.
يقوم مبدأ وحدة الموازنة على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: يجب أن تظهر جميع موارد الدولة وجميع نفقاتها داخل وثيقة واحدة تسمح برؤية الصورة الكاملة. فالدولة لا تستطيع أن تخطط بكفاءة إذا كانت أجزاؤها المالية موزعة بين مراكز متعددة لا يجمعها إطار واضح وشفاف.
كما يقوم مبدأ الشمول على ضرورة إدراج كل الإيرادات وكل المصروفات داخل الإطار المالي العام. وكلما اتسعت المساحات المالية الخارجة عن هذا الإطار، تراجعت القدرة على التخطيط الرشيد، وضعفت الرقابة البرلمانية، وازدادت احتمالات الهدر وسوء تخصيص الموارد.
من هنا يكتسب النقاش المتعلق بالصناديق الخاصة والحسابات الموازية والمراكز المالية المستقلة أهمية خاصة. فالقضية لا تتعلق فقط بالجوانب الإدارية أو التنظيمية، بل تتعلق بجوهر فكرة الدولة المالية نفسها. فكلما تعددت الأوعية المالية خارج الموازنة العامة، أصبحت الصورة أقل وضوحًا أمام البرلمان وأمام المواطنين.
لا يعني ذلك أن كل صندوق خاص أو حساب مستقل يمثل بالضرورة مشكلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، وعندما تتراجع القدرة على معرفة الحجم الحقيقي للموارد العامة والالتزامات العامة داخل الدولة.
تكتسب الشفافية هنا أهمية مضاعفة. فالمال العام لا يخص الحكومة وحدها، بل يخص المجتمع كله. وكلما زادت درجة الإفصاح والوضوح، تحسنت جودة القرار العام، وارتفعت كفاءة الإنفاق، وتراجعت مساحات الشك وعدم الثقة.
يحتاج هذا الفهم إلى مراجعة الطريقة التي ننظر بها إلى الموازنة أصلًا. فمصر، مثل كثير من الدول، اعتمدت لفترات طويلة على ما يعرف بموازنة البنود أو الأبواب. وهي مدرسة مالية تركز على تصنيف الإنفاق إلى أجور ومشتريات واستثمارات ودعم ومصروفات مختلفة، بهدف إحكام الرقابة على حركة الأموال.
أدت هذه المدرسة دورًا مهمًا في مراحل معينة من تطور الإدارة العامة، لكنها ظلت أسيرة سؤال واحد: كيف أُنفق المال؟ بينما تجاهلت سؤالًا أكثر أهمية: ماذا حقق هذا الإنفاق؟
لذلك ظهرت مدارس أكثر تطورًا. بدأت بموازنات البرامج التي تربط الإنفاق بأهداف محددة، ثم موازنات الأداء التي تربط الموارد بمؤشرات قابلة للقياس، وصولًا إلى موازنات النتائج التي تركز على الأثر النهائي للإنفاق العام في حياة المواطنين.
في موازنة البنود يمكن أن تنفق وزارة التعليم مليار جنيه إضافي دون أن يعرف أحد ما الذي تغير فعليًا. أما في موازنة النتائج، فإن السؤال يصبح مباشرًا: هل انخفضت كثافة الفصول؟ هل تحسنت جودة التعليم؟ هل ارتفعت مهارات الطلاب؟ وهل اقتربنا من الاقتصاد الذي نريد بناءه؟
الأمر نفسه ينطبق على الصحة والإسكان والنقل والحماية الاجتماعية. المواطن لا يعيش داخل أبواب الموازنة، بل يعيش داخل نتائجها. لذلك فإن نجاح الدولة لا يقاس بحجم ما أنفقته، بل بحجم ما حققته.
أدركت دول عديدة هذه الحقيقة مبكرًا. نيوزيلندا كانت من أوائل الدول التي أعادت بناء منظومتها المالية على أساس النتائج. بريطانيا طورت مراجعات الإنفاق وربطتها بالأهداف الاستراتيجية. أستراليا وكندا أدخلتا مؤشرات الأداء ضمن الوثائق المالية الرسمية. كما توسعت دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تطبيق موازنات الأداء والنتائج بدرجات مختلفة.
لم يعد السؤال المركزي في تلك الدول: كم أنفقنا؟ بل أصبح: ماذا أنجزنا؟ وما القيمة التي حصل عليها المجتمع من كل وحدة نقدية أُنفقت من المال العام؟
خلال سنوات عملي البرلماني كنت أنبه مرارًا إلى أن أزمة المالية العامة المصرية ليست أزمة موارد فقط، وليست أزمة عجز فقط، وليست أزمة دين عام فقط. إنها قبل ذلك أزمة فلسفة إدارة مالية. فالدولة التي لا تعرف بدقة ما الذي تريد تحقيقه من إنفاقها ستظل عاجزة عن قياس نجاحها أو إخفاقها.
لهذا السبب فإن الحديث عن الاستحقاقات الدستورية الخاصة بالتعليم والصحة والبحث العلمي لا ينبغي أن يتوقف عند النسب المعلنة في الموازنة. السؤال الأول يجب أن يكون: هل استوفت الموازنة بالفعل هذه الالتزامات الدستورية؟ والسؤال الثاني: ما أثر هذا الإنفاق على جودة الخدمات نفسها؟
لا يكفي أن ترتفع المخصصات إذا لم ترتفع النتائج. ولا يكفي أن تتوسع الاعتمادات إذا لم







