
لا تكف الحكومة المصرية ومسؤولوها عن الحديث عما تحقق من إنجازات خلال فترة ما بعد يوليو من العام 2013 على الصعيد الاقتصادي، من بنية أساسية ومشروعات كبرى، وعاصمة إدارية جديدة، في حين أن بيانات الحكومة ذاتها وأرقامها تكشف عن اتساع رقعة الفقر والتضخم وغلاء الأسعار وتهاوي الطبقة الوسطى.
فبحسب أرقام البيان المالي لموازنة الدولة عن عام 2026/2027، فإن هناك ما يزيد عن 5 ملايين أسرة مدرجة في مساعدة الضمان الاجتماعي، أي إن نحو 20% من الأسر المصرية تحت خط الفقر. ليس هذا فحسب، فالحكومة المصرية على ما يبدو تستحيي أن تعلن الأرقام النهائية للفقر، حيث تأخرت البيانات الخاصة بالفقر في مصر لنحو 6 سنوات.
والمفترض أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يصدر ما يعرف بمسح الدخل والإنفاق للأسرة المصرية كل عامين، وكان آخر إحصاء لهذا المسح صدر في 2019/2020. وعلى ما يبدو أن الأرقام تتعارض مع ما تعلنه الحكومة من إنجازات اقتصادية واجتماعية، فلجأت إلى تعطيل صدور هذه البيانات المهمة والضرورية، لأي مشروع تنمية حقيقي.
مخصصات منعدمة
في الوقت الذي يُعلن فيه تخصيص وحدات سكنية صغيرة بمصر، في أحد مشروعات القطاع الخاص بنحو ما يزيد عن 10 ملايين جنيه، هناك ما يزيد عن 5 ملايين أسرة فقيرة، رصدت لهم موازنة عام 2026/2027 نحو 55 مليار جنيه، أي إن كل أسرة نصيبها بحدود 11 ألف جنيه في العام، 207.5 دولارات بسعر صرف 53 جنيهًا للدولار.
وتظهر مأساة الفقراء في مصر، إذا ما فصلنا في توزيع هذه المخصصات شهريًا، ليكون نصيب الأسرة، مهما صغر عددها، عند 17.2 دولارًا. ولنا أن نتخيل ماذا يوفر هذا المبلغ للأسرة من متطلبات أساسية، من طعام وشراب وملبس ومسكن، فضلًا عن تعليم ورعاية صحية؟
ولا تحتاج الأرقام إلى شرح أو تفصيل، فمبلغ 17.2 دولارًا في الشهر، بوصفه إنفاقًا لأسرة، يعني أن حد الإنفاق اليومي ما يزيد عن نصف دولار بقليل. فكيف نوصّف هذا الإنفاق وفق معايير حد الفقر؟ إن أقل هامش لحد فقر الدخل بحسب معايير البنك الدولي للفرد، وليس للأسرة، 2.15 دولار في اليوم.
إصلاح زاد من رقعة الفقر
منذ بداية عام 2014 اتخذت الحكومات المصرية المتعاقبة حزمة من القرارات الاقتصادية، تحت ما سمي بإجراءات التقشف، شملت رفع الدعم عن الكثير من السلع والخدمات العامة، مما أدى إلى ارتفاع أعباء المعيشة للأسرة المصرية، فضلًا عن الإجراءات المالية والنقدية التي استهدفت خفض قيمة الجنيه المصري، لتصبح دخول المواطنين معدومة الأثر.
وبالرجوع إلى البيان المالي لموازنة عام 2014/2015، وجد أن عدد الأسر المستفيدة من معاش الضمان الاجتماعي ومعاش الطفل نحو 1.5 مليون أسرة، وخُصص لهم دعم بنحو 10 مليارات جنيه.
وقد شهدت هذه المخصصات زيادة ملحوظة في 2016/2017، نظرًا إلى اعتماد الحكومة برامج أخرى لزيادة مساحة الضمان الاجتماعي، والتي سُميت بتكافل وكرامة، حيث بلغ عدد الأسر المستفيدة من برامج الضمان الاجتماعي بشكل إجمالي، بما فيها برنامجا تكافل وكرامة، 2.75 مليون أسرة، بمخصصات بلغت نحو 11.3 مليار جنيه.
هناك ما يزيد عن 5 ملايين أسرة فقيرة رصدت لهم موازنة عام 2026/2027 نحو 55 مليار جنيه، أي نصيب كل أسرة بحدود 11 ألف جنيه.
وفي ديسمبر 2024 أتت تصريحات مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، لتؤكد أن عدد الأسر الفقيرة في مصر بلغ 12 مليون أسرة، أي إن مظلة الضمان الاجتماعي المهترئة لا تشمل نحو 7 ملايين أسرة فقيرة أخرى في حاجة إلى دعم. فأين هي ثمار الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحدث عنها الحكومة؟
الأكثر تضررًا من الفقر
مظلة الأمان الاجتماعي في الموازنة العامة للدولة تعد مجرد لافتة لاستكمال إجراءات ترضي المؤسسات المالية الدولية، ولكن الأرقام تكشف عن عمق أزمة غياب الضمان الاجتماعي، فثمة شرائح كبيرة من المجتمع المصري لا تتمتع بالحماية الاجتماعية بمعناها الواسع، من حد أدنى من الدخل الكريم يفي بالمتطلبات الأساسية للإنسان، وكذلك التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي.
فهناك العاملون في الحكومة المصرية، خاصة في القطاعات غير المميزة والتي لا تتمتع بكادر خاص مثل العاملين بالوحدات المحلية، ومن على شاكلتهم، حيث يتقاضون أجورًا زهيدة.
وقد أعلنت الحكومة على لسان مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، أن الحد الأدنى للأجور سوف يرتفع إلى 8 آلاف جنيه، كما أن ثمة مطالبات من قبل أصحاب المعاشات أن يرتفع الحد الأدنى لهم إلى 4 آلاف جنيه، والبعض يطالب بنحو 7 آلاف جنيه.
نعم، هناك شرائح من العاملين في الحكومة تحصل على أعلى من هذه الأرقام، ولكن ماذا عن من يحصلون على الحدود الدنيا؟ فلك أن تتخيل أن دخل أسرة بعد رفع الحد الأدنى 8 آلاف جنيه شهريًا، أي ما يعادل قرابة 151 دولارًا بسعر صرف 53 جنيهًا للدولار.
إن الحد الأدنى للإنفاق بحدود 2.15 دولار للفرد في اليوم، يستلزم أن يكون لأسرة مكونة من 4 أفراد دخل لا يقل عن 258 دولارًا في الشهر.
ومما يزيد الطين بلة، أن الحكومة لا تكف عن رفع السلع والخدمات التي تقدمها للمواطنين تحت لافتة ارتفاع أسعار السلع في السوق الدولية، والتي كان آخرها الوقود والكهرباء. كيف يدبر الفقراء أمورهم في مصر في ظل هذه المعادلة الصعبة من دخول شديدة الضعف وشبكة أمان اجتماعي مهترئة، وأسعار تلهب الظهور ولا ترحم الضعفاء؟
ثمة شرائح كبيرة من المجتمع المصري لا تتمتع بالحماية الاجتماعية بمعناها الواسع، من حد أدنى من الدخل الكريم يفي بالمتطلبات الأساسية للإنسان.
أزمة مركبة
أصحاب الأجور والمعاشات الضعيفة في أزمة، ولكن من هم في أزمة مركبة في مصر فئة تصنف على أنها من كبار السن من العمالة غير الرسمية، وهم شرائح متعددة من بين باعة جوّالين أو أصحاب حرف لا يقدرون على ممارسة أعمالهم العضلية مع مرور الزمن.
هذه الشريحة بطبيعة الحال، منذ دخولها إلى سوق العمل، تفتقد أهم مقومات سوق العمل من أجور كريمة أو ظروف عمل لائقة، وكذلك تفتقد وجود التأمين الصحي أو الاجتماعي، وعادة ما تترك لهم ظروف العمل غير المناسبة والدخول غير المنتظمة عددًا من المشكلات الصحية والاجتماعية، كفقدانهم لتوفير متطلبات نفقات العلاج لأصحاب الأمراض المزمنة، أو الأسر الكبيرة.
صور أبشع لغياب الأمان الاجتماعي
إن قصر قضية الأمان الاجتماعي في مجرد توفير دخل شديد المحدودية، هو تصور قاصر لمفهوم الأمان الاجتماعي، فأبسط صور مفهوم الأمان الاجتماعي أن يشعر المواطن بحالة من الأمن له ولأسرته في مجالات مختلفة كالتعليم والصحة والأمن ونصيب مقبول من خدمات البنية الأساسية.
ولكن المجتمع المصري مؤخرًا شهد ظواهر اجتماعية سلبية، مثل حالات الانتحار، وتعاطي المخدرات والاتجار فيه، والعزوف عن الزواج وتكوين أسرة جديدة من قبل الشباب، وكذلك ارتفاع معدلات الطلاق، خاصة بين الأسر الحديثة، وارتفاع معدلات رغبة الشباب في الهجرة إلى الخارج، وتعرض العديد منهم لمخاطر الموت في البحر في إطار الهجرة غير الشرعية، وتحمل ظروف شاقة في دول المهجر من أجل تأمين دخل أفضل لأسرهم في مصر.
في الختام، ماذا يعني وجود مخصصات وبند بالموازنة للأمان الاجتماعي ولا يشمل كل الأسر الفقيرة؟ وفي الوقت نفسه تتسع رقعة الفقر، وتزداد معاناة الفقراء والمستفيدين من معاش الأمان الاجتماعي مع تراجع القيمة الشرائية للنقود، وهو ما يعني لهم المزيد من الحرمان لا العطاء.
فمتى ينعم المصريون بحقوقهم، وتكون الموازنة من صنع أيديهم، يشاركون في إعدادها ويراقبون أعمالها، بحيث تكون الموازنة للمواطنين، خاصة الفقراء والمهمشين منهم؟







