مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: واشنطن تحمي إسرائيل… ودول الخليج تخشى أن تدفع فاتورة الرد الإيراني

حرب لا تقف عند حدود إسرائيل وإيران

لم تعد العواصم الخليجية تنظر إلى التصعيد مع إيران باعتباره مواجهة بعيدة بين طهران وتل أبيب أو بين طهران وواشنطن فقط. فكلما اتسعت الحرب، تمددت كلفة الرد الإيراني نحو الجغرافيا الخليجية: منشآت الطاقة، محطات التحلية، الموانئ، القواعد الأمريكية، حركة الملاحة، وأسواق المال. وهنا تتشكل زاوية الأزمة الحقيقية: دول الخليج ليست صاحبة قرار الحرب، لكنها قد تجد نفسها في مقدمة من يدفع فاتورتها.

معادلة حماية غير متوازنة

في ظاهر المشهد، تتحرك الولايات المتحدة لحماية إسرائيل من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. لكن في نظر عواصم خليجية، تبدو معادلة الحماية الأمريكية غير متوازنة. فواشنطن تطلب من حلفائها الخليجيين ضبط النفس، وحماية تدفق الطاقة، واستضافة القواعد، وتحمّل مخاطر الرد الإيراني، بينما تبدو الأولوية السياسية والعسكرية الأمريكية مركزة على منع اتساع الضرر على إسرائيل أولاً.

هذه ليست مجرد فجوة أمنية، بل أزمة في معنى التحالف. فالحليف الخليجي لا يريد أن يكون محطة خلفية للرد الإيراني على حرب لا يقرر توقيتها ولا أهدافها. وإذا كانت واشنطن تريد من دول الخليج أن تبقى جزءاً من منظومة الضغط على طهران، فعليها أن تتعامل مع أمنها بوصفه أولوية قائمة بذاتها، لا هامشاً تابعاً لأمن إسرائيل.

اعتراض خليجي لا تهديد مباشر

الرسالة الخليجية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تأخذ شكل تهديد مباشر، لكنها تحمل اعتراضاً استراتيجياً واضحاً: لا يمكن أن تُدار الحرب وفق حسابات واشنطن وتل أبيب، ثم يُطلب من الخليج أن يمتص الصدمة إذا قررت إيران الرد عبر الصواريخ والمسيّرات وتهديد الطاقة والملاحة.

المعادلة هنا لا تبدو، من زاوية خليجية، تحالفاً متكافئاً، بل توزيعاً غير عادل للمخاطر: قرار التصعيد في مكان، وثمن الرد في مكان آخر.

مخاوف ليست نظرية

هذا القلق الخليجي لا يأتي من فراغ. فقد ناقش مجلس التعاون الخليجي في اجتماع استثنائي هجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات قال إنها استهدفت دول المجلس، وهي خلفية تجعل مخاوف العواصم الخليجية مرتبطة بتجربة مباشرة لا بتحليل افتراضي فقط.

كما أن تحذيرات دول عربية من التصعيد الأمريكي ـ الإيراني ارتبطت بالخوف من أن تصبح القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية في الخليج جزءاً من دائرة الرد الإيراني. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى ضرب الأراضي الأمريكية حتى ترفع كلفة الحرب. يكفي أن تهدد مضيق هرمز، أو تستهدف ناقلات النفط والغاز، أو تضرب منشآت الطاقة والتحلية، أو تطلق مسيّرات باتجاه قواعد أمريكية في المنطقة، حتى تتحول المواجهة إلى أزمة عالمية في الطاقة والأسواق.

الخليج ليس موقفاً واحداً

لكن الحديث عن “الخليج” لا يعني موقفاً واحداً متطابقاً بين كل العواصم. فهناك دول تميل إلى التركيز على الردع وتقييد القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، وأخرى تمنح أولوية أكبر لمسار التهدئة والوساطة ومنع التصعيد المفتوح.

هذا التباين لا يضعف الموقف الخليجي، بل يفسره. فدول قريبة من خطوط الوساطة تخشى انهيار المسار الدبلوماسي، ودول أكثر تعرضاً لتهديدات الطاقة والمنشآت الحيوية تريد ضمانات أمنية أشد. لكن الجميع يلتقي تقريباً عند نقطة واحدة: لا أحد يريد أن تتحول أراضيه أو مياهه أو منشآته إلى ساحة رد إيراني على قرارات لا يملكها.

فاتورة الرد الإيراني

“فاتورة الرد الإيراني” لا تعني فقط سقوط صواريخ أو مسيّرات. إنها تعني اضطراب حركة الملاحة في هرمز، ارتفاع كلفة التأمين على السفن، تراجع ثقة المستثمرين، اهتزاز الأسواق، تعطل صادرات الطاقة، واحتمال تهديد منشآت التحلية والكهرباء والموانئ.

أي أن الخليج لا يخشى الحرب فقط لأنها خطر أمني، بل لأنها قد تضرب نموذج الاستقرار الاقتصادي الذي بنته دوله خلال عقود. لهذا لم يعد المطلب الخليجي محصوراً في وقف إطلاق النار. فوقف الحرب قد يمنع الانفجار اللحظي، لكنه لا ينهي قدرة إيران على تكرار الابتزاز عند كل جولة تصعيد.

بعض العواصم الخليجية تريد ما هو أبعد من التهدئة: ضمانات تمنع إيران من استخدام الصواريخ والمسيّرات والمضائق البحرية ومنشآت الطاقة كورقة ضغط دائمة.

لا تجعلونا ندفع ثمن حرب لا نقررها

الخليج لا يقول لواشنطن “اتركوا إسرائيل واحمونا”، بل يقول “لا تجعلونا ندفع ثمن حرب لا نقررها”. لا يمكن أن تكون القواعد الأمريكية في الخليج جزءاً من ميزان القوة ضد إيران، بينما تبقى المدن الخليجية والمنشآت الحيوية أقل شمولاً بالحماية.

بهذا المعنى، تتحول الحرب مع إيران إلى اختبار قاسٍ للمظلة الأمريكية. المشكلة ليست في قدرة واشنطن العسكرية فقط، بل في إرادتها السياسية. تستطيع الولايات المتحدة نشر بطاريات دفاعية وتحريك قطع بحرية وتأكيد التزامها بأمن الحلفاء، لكن السؤال الذي يهم دول الخليج هو: هل ستدافع واشنطن عن العواصم الخليجية بالصرامة نفسها التي تدافع بها عن إسرائيل؟ أم أن الحماية الأمريكية تعمل بدرجات متفاوتة؟

القواعد الأمريكية: ضمانة أم عبء؟

الأكثر حساسية أن دول الخليج بنت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من أمنها على الشراكة مع واشنطن. هذه الشراكة منحتها مظلة ردع، لكنها جعلتها أيضاً مكشوفة أمام خصوم الولايات المتحدة.

وجود القواعد الأمريكية في الخليج يمنح واشنطن عمقاً عملياتياً، لكنه يمنح إيران في المقابل قائمة أهداف جاهزة إذا أرادت الرد على واشنطن دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة داخل الأراضي الأمريكية. وهنا يصبح الخوف الخليجي مضاعفاً: الخوف من إيران، والخوف من أن تتعامل واشنطن مع الخليج كساحة خلفية لإدارة الصراع.

أمن الطاقة ليس ملفاً خليجياً فقط

المسألة لا تتعلق بالأمن العسكري وحده. أي اضطراب طويل في مضيق هرمز، أو استهداف لمنشآت الطاقة، أو تهديد لحركة ناقلات الغاز والنفط، يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي ويرفع الأسعار ويضغط على الأسواق الغربية قبل الخليجية.

ولهذا تمتلك العواصم الخليجية ورقة قوية في خطابها مع واشنطن: حماية الخليج ليست خدمة لحلفاء إقليميين، بل حماية لمصالح الاقتصاد العالمي وللاستقرار السياسي في الغرب نفسه. ومع كل تصعيد أو تهدئة، تتحرك الأسواق الخليجية والنفطية بسرعة، بما يكشف أن الحرب لا تبقى في المجال العسكري فقط، بل تنتقل فوراً إلى البورصات وأسعار الطاقة وحسابات المستثمرين.

وجهة نظر واشنطن

في المقابل، لا ترى واشنطن نفسها غائبة عن حماية الخليج. فالخطاب الأمريكي الرسمي يقدم الوجود العسكري في المنطقة بوصفه أداة لحماية القوات والمصالح الأمريكية، والدفاع عن إسرائيل، وخفض التصعيد عبر الردع والدبلوماسية. ومن هذه الزاوية، قد تقول الإدارة الأمريكية إن حماية إسرائيل ليست منفصلة عن أمن المنطقة، بل جزء من منظومة ردع أوسع ضد إيران.

لكن المشكلة، من زاوية خليجية، لا تتعلق بحجم الوجود الأمريكي فقط، بل بطريقة استخدامه سياسياً وعسكرياً. فالقواعد الأمريكية تمنح واشنطن قدرة على إدارة الصراع، لكنها تجعل دول الخليج أيضاً جزءاً من خريطة الرد الإيراني. وهنا يصبح السؤال ليس: هل توجد حماية أمريكية؟ بل: متى تتحول هذه القواعد من ضمانة أمنية إلى سبب إضافي لاستهداف الخليج؟

بين التهدئة والردع

تتحرك دول الخليج ضمن هامش حساس. فهي لا تريد الظهور كجزء مباشر من حرب أمريكية ـ إسرائيلية ضد إيران، ولا تريد في الوقت نفسه أن تبدو عاجزة أمام التهديد الإيراني. لذلك يبدو خطابها مزدوجاً: منع التصعيد غير المحسوب من جهة، والمطالبة بألا تنتهي أي تسوية مع طهران إلى وقف مؤقت للنار بينما تبقى الصواريخ والمسيّرات وتهديد المضائق كما كانت.

هذا هو جوهر الخلاف مع واشنطن: ليس خلافاً عابراً حول جولة تصعيد، بل خلاف حول تعريف الأمن. بالنسبة لإسرائيل، الأمن يعني منع إيران من امتلاك قدرة تهددها مباشرة. أما بالنسبة للخليج، فالأمن يعني ألا تستطيع إيران تحويل الطاقة والملاحة والمنشآت المدنية إلى رهائن سياسية.

صندوق بريد للصواريخ

الخلاصة أن دول الخليج لا تهدد ترامب بالمعنى المباشر، لكنها تضعه أمام سؤال لا يستطيع تجاهله: إذا كانت الولايات المتحدة تريد قيادة النظام الأمني في المنطقة، فهل ستتعامل مع أمن الخليج كأولوية حقيقية أم كملحق لأمن إسرائيل؟

الحرب مع إيران كشفت أن الخطر لا يسقط دائماً حيث يبدأ التصعيد، بل حيث تجد طهران الهدف الأسهل والأكثر إيلاماً. وفي هذه المعادلة، لا تريد دول الخليج أن تكون صندوق بريد للصواريخ الإيرانية، ولا فاتورة حرب لم تقررها. تريد حماية توازي حجم المخاطر التي تتحملها. فإذا كانت واشنطن تحمي إسرائيل لأنها حليف استراتيجي، فعليها أن تثبت أن الخليج ليس مجرد قاعدة خلفية، ولا ممراً للطاقة، ولا مساحة مفتوحة للرد الإيراني.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى