مقالات وآراء

عبد الرحيم علي يكتب: همنجواي .. وقنديل “البحر”

هناك كائناتٌ في حياتنا رخوةٌ لزجةٌ، تطفو دائماً على سطح الحياة، كما يطفو قنديلُ البحر على سطح الماء؛ بلا معنى، ولا هدف، ولا قيمة…

كائناتٌ حقيرةٌ غيرُ سوية، تنتمي إلى سلالةٍ حيوانيةٍ لا فقارية، يُطلق عليها بالإنجليزية Spineless، بينما يطلق عليها الصيادون في كوبا بالإسبانية Agua Mala… أي: الماء الخبيث.

والحقيقة أنني لم أكن، في يومٍ من الأيام، معنيًّا بتلك الكائنات اللزجة؛ فالقنديل حيوانٌ بلا عقلٍ، ولا قلبٍ، ولا عظمٍ، عديمُ الدماء، كائنٌ لا يملك سوى شبكةٍ عصبيةٍ بسيطةٍ تنتشر في كيان متماثلٍ شعاعيًّا، يتحرّك بنبضٍ إيقاعيٍّ في الماء بلا وجهة، فإذا قذفه الموجُ إلى الرمال ذاب وانتهى.

والغريب أن «قنديل البحر» استُخدم في الأدب رمزًا للهشاشة والزوال، وللانجراف والسلبية؛ كائنٌ يستسلم لتيّار الماء بلا وجهة أمّا في السياسة، فكثيرًا ما يُوصَف السياسيُّ في الغرب بـ«قنديل البحر»، دلالةً على انعدام الموقف الثابت و«العمود الفقري»؛ فهو مَلِكُ التردّد، والإنجراف وراء التيّارات والضغوط، بلا مبدأٍ راسخ.
وحين قرأتُ مؤخّرًا، للمرّة الثالثة، رائعةَ الروائيِّ الفذِّ إرنست همنجواي «الشيخ والبحر» — اثناء قضاء إجازتي الصيفية، والتي تُرجمت خطأً للغة العربية «العجوز والبحر» رأيته يصف هذا الكائن اللزج بـ«الماء الخبيث»، فعرفتُ سرَّ ما كنتُ أحسُّه دائمًا من اشمئزازٍ كلّما طرق اسمُه سمعي.
ففي الرواية يطفو إلى جانب الصياد، “قنديل”؛ “Portuguese man o’ war” يراقبه الصياد الحكيم “سانتياغو” بفقاعته المتأرجحة على سطح الماء، ثمّ يُطلق عليه، ساخرًا، اسم «الماء الخبيث» تيمنا بالصيادين الكوبيين.
الصيّاد الحكيم “سنتياغو” يحبُّ البحر ويحترمه، لكنّه لا ينخدع بظواهره؛ يميّز بين كائناتٍ يجلُّها ويحترمها — كالسمكة الكبيرة والسلاحف والطيور — وكائناتٍ يحتقرها لزيفها ودناءتها، ومنها هذا «القنديل».
ولذلك تراه يتلذّذ، فيما بعد، برؤية السلاحف تلتهم هذه الكائنات، ثمّ يدوسها هو بقدميه على الشاطئ في النهاية، في مزيجٍ من الاحتقار والقرف.
روايةٌ رائعة، أنصحكم بقراءتها في إجازتكم الصيفية.

نيس: الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى