أخبار العالمملفات وتقارير

الاحتجاجات الشعبية في إيران تشعل فتيل الغضب ضد الأزمات المعيشية المتفاقمة

تكشف العودة الجزئية لشبكات الاتصالات عن بركان خامد من الاحتقان الجماهيري المكتوم، إذ لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل بل تحول إلى ساحة بديلة للمجال العام العاجز عن التنفس، وتشير المعطيات الراهنة إلى أن اتساع الفجوة بين طموحات المواطنين وقدرات الإدارة السياسية يمهد الطريق لموجة جديدة من الحراك، وتتصاعد المؤشرات التي تؤكد أن استمرار التضييق الاقتصادي والانسداد السياسي سيدفعان الجماهير إلى الشوارع مجدداً، وبخاصة مع وصول معدلات التضخم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة تلتهم القوة الشرائية المنهارة.

تتفاقم الأزمات المعيشية بشكل حاد جراء الحصار البحري الصارم المفروض على الموانئ الرئيسية في مضيق هرمز، وتتزايد حدة المعاناة اليومية نتيجة القبضة الأمنية الخشنة التي تمارسها السلطات الساعية للسيطرة على حركة المجتمع، ويؤدي استمرار وتيرة الملاحقات والاعتقالات إلى تعميق حالة الامتعاض الشعبي بدلاً من إخمادها، حيث يرى مواطنون أن السياسات الحالية تتجاهل الاحتياجات الأساسية وتركز فقط على البقاء السياسي، وتثبت التجارب السابقة أن الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية يسهم في تأجيل الانفجار الاجتماعي لكنه لا يمنعه إطلاقاً.

تتزايد التحذيرات من أن اندلاع الاحتجاجات الشعبية في إيران بات مسألة وقت في ظل غياب أي أفق لتسويات حقيقية، ويسجل الريال انهياراً تاريخياً كبيراً أمام العملات الأجنبية مما يتسبب في قفزات جنونية بأسعار السلع والخدمات الأساسية، وتتضاعف نسب البطالة بين الشباب لتشكل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الداخلي بشكل مباشر، ويزيد حجب الشبكة العنكبوتية الطين بلة كونه يدمر قطاع التجارة الإلكترونية التي تعتمد عليها آلاف الأسر، وتوضح هذه المؤشرات المركبة كيف تلاقت العقوبات الخارجية مع سوء الإدارة الداخلية لإنتاج مشهد معقد.

الانهيار الاقتصادي يعزز فرص الانفجار الاجتماعي

تشهد الموازنة العامة عجزاً هائلاً ناجحاً عن تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع تكاليف استيراد المواد الحيوية، وتفرض القيود المستمرة على الصادرات البترولية ضغوطاً خانقة تحرم الخزانة من النقد الأجنبي اللازم لضبط الأسواق، وتنعكس هذه الاختلالات الهيكلية في صورة تضخم جامح يعصف بسلاسل الإمداد ويرفع كلفة النقل والإنتاج، وتعيش الأوساط التجارية حالة من عدم اليقين بسبب استمرار المناخ العسكري وغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة، وتؤكد التقارير أن محاولات التهدئة عبر الانفراجات الرقمية المؤقتة لن تجدي نفعاً أمام جوع الشارع.

تباشر ميليشيا الباسيج التابعة للحرس الثوري مهام قمعية مكثفة عبر نشر مئات نقاط التفتيش داخل المدن الرئيسية، وتستهدف هذه الإجراءات الاستباقية فرض حالة من الرعب لمنع أي تجمع للمواطنين الغاضبين من تردي الأوضاع، وتواجه هذه الأجهزة عجزاً واضحاً في كوادرها البشرية نتيجة الاستنزاف المستمر خلال الأشهر الماضية، وتكشف القرارات الرسمية عن خفض السن الأدنى للمشاركة في تلك الدوريات الأمنية إلى 12 عاماً، وتوضح هذه الخطوات غير المعتادة حجم القلق المتنامي لدى الدوائر الحاكمة من فقدان السيطرة.

تتسم الأوضاع في مناطق الأقليات القومية الكردية والعربية والبلوشية بتشديد أمني مضاعف يفوق بقية الأقاليم، وتعتبر هذه المناطق تاريخياً بؤرة لانطلاق أي احتجاجات شعبية في إيران بسبب معاناتها من سياسات التهميش الإداري، وتسببت الأزمات الخدمية الأخيرة مثل انقطاع التيار الكهربائي المستمر في اتساع رقعة الاستياء، وتؤدي قناعة فئات واسعة بأن الثروات الوطنية تبدد على الإنفاق العسكري الخارجي إلى تعميق الفجوة، وتتحول رغبة الجماهير تدريجياً من المطالبة بتحسين المعيشة إلى المطالبة بتغيير سياسي وإصلاحات ديمقراطية جوهرية.

التوترات السياسية الداخلية وتصاعد القمع الرقمي

تسببت العودة الجزئية للاتصالات في نشوب خلافات حادة بين أجنحة السلطة والكتل البرلمانية المتشددة، وتصاعدت حدة التهديدات باستجواب وزير الاتصالات نتيجة مخاوف القوى الصلبة من استغلال الشبكة في التعبئة، وتعتبر الأطراف الراديكالية أن التراجع عن الحجب يعد خطأ استراتيجياً يهدد التماسك الأمني العام، وتشن الشخصيات المحسوبة على المجلس الأعلى للفضاء السيبراني هجوماً عنيفاً ضد التسهيلات الحكومية الأخيرة، وتكشف هذه الانقسامات العميقة عن ارتباك واضح في إدارة ملف الأزمة بين أجهزة صناعة القرار.

تواجه أي تحركات جماهيرية محتملة تحديات جسيمة ترتبط بالذاكرة الأليمة لعمليات القمع الوحشي السابقة، وتعتمد الأجهزة الاستخباراتية على ترسانة من التهم الجاهزة مثل التخوين والعمالة للخارج لترهيب المعارضين والمحتجين، وتستخدم السلطات القوة المفرطة لرفع كلفة التظاهر وجعل الانخراط في الحراك قراراً صعباً على المواطنين، وتراهن الدوائر السياسية على أن الخوف من الفوضى قد يلجم الشارع لفترة إضافية، وتظل المعادلة مرهونة بمدى قدرة الضغوط المعيشية الحالية على كسر حاجز الخوف وتوليد موجة عاتية لا يمكن صدها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى