ملفات وتقارير

القيادة السياسية في شرق أفريقيا.. لماذا تنجح رواندا وإثيوبيا أكثر من غيرهما؟

سلطت تقديرات استراتيجية حديثة الضوء على دور القيادة السياسية في شرق أفريقيا باعتباره عاملًا حاسمًا في تفسير تباين مسارات التنمية بين دول المنطقة، مؤكدة أن رواندا وإثيوبيا تقدمان نموذجين بارزين لقدرة الدولة على تحويل الاستقرار والرؤية طويلة المدى إلى نمو اقتصادي ومؤسسي ملموس.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن النجاح في شرق أفريقيا لا يرتبط فقط بدرجة الانفتاح السياسي أو حجم الموارد الطبيعية، بل بقدرة القيادة على الحفاظ على اتجاه استراتيجي واضح، واستمرارية السياسات العامة، وتوجيه الموارد نحو أولويات التنمية والإنتاجية والبنية التحتية والخدمات.
رواندا ونموذج الدولة التنموية
تعد رواندا من أبرز النماذج الأفريقية التي نجحت في توظيف الاستقرار السياسي والإدارة الحكومية الفعالة لدعم النمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية.
وخلال مراجعات التنمية الوطنية لعام 2026، أكد الرئيس بول كاغامي أن مستقبل أفريقيا يعتمد على الإنتاجية والابتكار والربط الإقليمي أكثر من اعتماده على المساعدات الخارجية.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية هذا التوجه، إذ تشير التوقعات إلى نمو الاقتصاد الرواندي بنحو 7.2% خلال عام 2026، فيما تضع تقديرات أخرى معدل النمو عند نحو 7.5%، بما يجعل رواندا ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في القارة.
حكومة رقمية وثقة دولية
وتجاوزت نسبة الخدمات الحكومية المقدمة رقميًا في رواندا 90% من إجمالي الخدمات العامة، ما جعل البلاد من بين أكثر الدول الأفريقية تقدمًا في مجال الحكومة الإلكترونية.
كما عزز حصول رواندا على دعم مالي جديد بقيمة 250 مليون دولار من الثقة الدولية في أداء مؤسساتها، وقدرتها على إدارة الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارات الاجتماعية والتنموية.
إثيوبيا ومعدلات نمو مرتفعة
أما إثيوبيا، فتقدم نموذجًا آخر للدولة التي تسعى إلى تحويل الإصلاح الاقتصادي والبنية التحتية إلى قوة دفع تنموية، إذ أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد أن الاقتصاد الإثيوبي يتجه لتحقيق نمو يبلغ نحو 10.2% خلال السنة المالية الحالية.
ويأتي ذلك في ظل استمرار برامج تحرير الأسواق وتطوير البنية التحتية، بدعم من برامج الإصلاح الاقتصادي والمؤسسات المالية الدولية، بالتوازي مع مشاريع استراتيجية كبرى في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
مشروعات كبرى وقاعدة ديموغرافية واسعة
تستند إثيوبيا إلى قاعدة سكانية واقتصادية كبيرة، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 136 مليون نسمة، ما يجعلها ثاني أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان.
كما تمضي في تنفيذ مشروعات استراتيجية كبرى، من بينها مشروع مطار بيشوفتو الدولي الجديد بتكلفة تقدر بنحو 12.5 مليار دولار، إلى جانب التوسع في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات.
كينيا.. اقتصاد واعد يواجه الاستقطاب
في المقابل، تقدم كينيا حالة أكثر تعقيدًا، فهي أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا من حيث التنوع الإنتاجي، وتعد نيروبي مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا والخدمات المالية والابتكار، كما تستفيد من سوق إقليمية واسعة تمتد عبر شرق ووسط أفريقيا.
لكن التجربة الكينية تكشف أن الحيوية الاقتصادية وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار التنموي طويل المدى، إذ لا تزال البلاد تواجه تحديات مرتبطة بالاستقطاب السياسي والاحتجاجات الاقتصادية والخلافات الانتخابية، ما يحد من قدرتها على استثمار كامل إمكاناتها.
أوغندا وجنوب السودان.. حدود النمو دون تجديد مؤسسي
وفي أوغندا، ورغم التوقعات بتحقيق نمو اقتصادي يقارب 6.8% خلال عام 2026 بدعم من النفط والبنية التحتية، فإن التحدي الأبرز يتمثل في قدرة النظام السياسي على تجديد نفسه وإنتاج دورة جديدة من الإصلاحات والمؤسسات القادرة على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية.
أما جنوب السودان، فيقدم مثالًا واضحًا على محدودية أثر الموارد الطبيعية في غياب المؤسسات الفاعلة، إذ لم تتحول الاحتياطيات النفطية الكبيرة والدعم الدولي الواسع إلى استقرار اقتصادي أو سياسي مستدام.
الدولة التنموية أم الديمقراطية التنافسية؟
تطرح تجارب شرق أفريقيا سؤالًا محوريًا حول ما يصنع نجاح الدول: هل هو التنافس السياسي، أم قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج؟
وتشير المقارنات إلى أن النجاح الاقتصادي في المنطقة لم يكن مرتبطًا بدرجة الانفتاح السياسي وحدها، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على رؤية تنموية مستقرة، واستمرارية السياسات، وبناء ثقة المستثمرين والأسواق والمؤسسات الدولية.
خمس سنوات حاسمة في شرق أفريقيا
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن شرق أفريقيا ستظل خلال السنوات الخمس المقبلة واحدة من أكثر مناطق القارة ديناميكية من حيث النمو والاستثمار والتحول الاقتصادي.
ومن المرجح أن تستمر رواندا وإثيوبيا في ترسيخ موقعهما كنموذجين بارزين للدولة التنموية في أفريقيا، إذا واصلت كيغالي مسار الابتكار والإصلاح الإداري، وتمكنت أديس أبابا من استكمال الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الداخلي.
القيادة كمشروع وطني للتنمية
وتخلص القراءة إلى أن الدرس الأبرز في شرق أفريقيا لا يتعلق بشكل النظام السياسي بقدر ما يرتبط بقدرة القيادة على إنتاج نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في فرص العمل والخدمات العامة والاستقرار الاقتصادي وآفاق المستقبل.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأكثر أهمية خلال العقد المقبل ليس أي الدول أكثر ديمقراطية أو أكثر ثراءً بالموارد، بل أيها أكثر قدرة على تحويل القيادة السياسية إلى مشروع وطني للتنمية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى