
المنطقة باتت منقسمة عامودياً بين محورين، أحدهما يقاوم التوحش الإسرائيلي المدعوم أمريكيا، ولو بقلبه وهو أضعف الإيمان، والآخر يساعده ويعمل على تكريسه، ولو بالصمت.
اندلعت هذا الأسبوع مواجهة عسكرية جديدة بين إيران و “إسرائيل”، لكنها اختلفت عن كل ما سبقها من مواجهات، سواء من حيث الأطراف التي انخرطت فيها، أو من حيث الدوافع التي أدت إلى اندلاعها والأهداف التي تسعى الأطراف المنخرطة فيها لتحقيقها، أو من حيث العوامل التي أسهمت في وقف القتال، أو من حيث تداعياتها ونتائجها وانعكاساتها المحتملة على موازين القوة في المنطقة.
فمن حيث الأطراف المنخرطة فيها: يلاحظ أن الجولة الأخيرة هي الجولة الوحيدة التي لم تنخرط فيها أطراف أخرى غير طرفيها المباشرين، بعكس ما حدث في المواجهتين السابقتين.
ففي الجولة الأولى، التي اندلعت في حزيران/يونيو 2025 واستمرت 12 يوما، كانت “إسرائيل” هي وحدها الطرف المبادر بالهجوم قبل أن تنضم إليها الولايات المتحدة في مرحلة لاحقة. ومع ذلك اقتصرت المشاركة الأميركية في هذه الجولة على أداء مهمة محددة لم يكن بمقدور آلة الحرب الإسرائيلية أن تقوم بها بالفاعلية المطلوبة.
ألا وهي ضرب المنشآت النووية الإيرانية المشيدة في أعماق المناطق الجبلية. وفي الجولة الثانية، التي اندلعت في نهاية شباط/فبراير 2026 واستمرت 39 يوما، كان الهجوم أمريكيا إسرائليا مشتركا منذ البداية وحتى النهاية، لكن نطاق وساحات المعارك فيها تعددت واتسعت لتشمل دول المنطقة التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، خصوصا دول الخليج العربية الست (السعودية والإمارات والكويت وسلطة عمان وقطر والبحرين) بالإضافة إلى المملكة الأردنية الهاشمية. أما في الجولة الأخيرة، والتي لم تستمر لأكثر من 24 ساعة هذه المرة، فلم يقتصر القتال فيها على طرفي الصراع المباشرين فحسب، وإنما لعبت الولايات المتحدة فيها دورا أقرب إلى دور الوسيط، ما أثار جدلا واسعا حول دوافعه وأسبابه، كما سنشير لاحقا.
ومن حيث الدوافع والأهداف: يلاحظ أنها كانت في مجملها سياسية أكثر منها عسكرية، رغم ما بين طرفيها من تناقض واضح في الدوافع والأهداف. فبينما سعت “إسرائيل” في الجولة الأخيرة إلى تثبيت فكرة الفصل التام بين المسارات، خصوصا المسارين اللبناني والإيراني، وتهيئة الأجواء المناسبة لفرض تسوية بشروطها على الدولة اللبنانية، تشمل نزع سلاح حزب الله، سعت إيران إلى إثبات أنها قادرة على حماية حلفائها وترسيخ فكرة “وحدة الساحات”، لتعميق الشعور بوحدة المصير لدى جميع مكونات “محور المقاومة” وتبديد الأفكار التي تروج لمقولة أن إيران لا تحرص إلا على مصالحها الخاصة وتتعامل مع حلفائها باعتبارهم مجرد وسائل أو أدوات مسخرة لخدمتها.
ومن حيث العوامل التي أسهمت في وقف القتال: يلاحظ أن معظم المراقبين يجمعون على أن دور الرئيس ترامب كان حاسما في التوصل إلى هذه النتيجة بسرعة، لكنهم يختلفون حول توصيف طبيعته وتحليل دوافعه الحقيقية.
فبينما يرى فريق منهم أن نتنياهو لم يكن ليجرؤ على ضرب الضاحية الجنوبية دون الحصول على ضوء أخضر من ترامب، خصوصاً وأن الهجوم هذه المرة وقع بعد تحذير شديد اللهجة بأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي عدوان جديد يقع على الضاحية، ما قد يشي بأن الهجوم على الضاحية تم بالتوافق بين الرجلين، و لأسباب تتعلق إما بالرغبة في اختبار صلابة الموقف الإيراني أو لتعرية إيران أمام الحاضنة الشعبية لحزب الله، يرى فريق آخر أن نتنياهو تصرف من تلقاء نفسه، ولأسباب تتعلق برغبته في قطع الطريق على أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة، ما يوحي بأن حرص ترامب على حماية المفاوضات الجارية مع إيران هو ما دفعه للتدخل السريع لوقف القتال.
وأياً كانت دوافع ترامب الحقيقية على هذا الصعيد، فلا شك أن نجاحه في وقف القتال بهذه السرعة يقف دليلا في حد ذاته على أنه أصبح صاحب القول الفصل في كل ما يتعلق بقضايا الحرب والسلام في المنطقة، وأن نتنياهو تحول من فاعل أصلي، مبادر ومشاغب، إلى مجرد حليف خاضع لإرادة ترامب المنفردة.
ومن حيث التداعيات والنتائج والانعكاسات المحتملة على مستقبل المنطقة: يلاحظ عدم وجود خلاف بين المراقبين حول مسؤولية نتنياهو عن إشعال المواجهة المسلحة الأخيرة مع إيران، لذا ينحصر الخلاف حول هذه المسألة في تفسير الأسباب التي دفعته للإقدام على هذه الخطوة.
فبينما يرجعها البعض إلى خطأ في حسابات نتنياهو حول ردة الفعل المحتملة من جانب إيران، بافتراض تشاوره المسبق مع ترامب، أو إلى خطأ في حساباته حول ردة الفعل المحتملة من جانب ترامب، بافتراض عدم تشاوره المسبق معه، لكن لم يكن أمام نتنياهو في كلتا الحالتين من خيار آخر سوى الرد على الهجوم الإيراني بهجوم مضاد، ولم يكن أمام ترامب نفسه من خيار آخر سوى التدخل لوقف القتال خشية انهيار المفاوضات الجارية مع إيران. ولأن نتنياهو أجبر على وقف القتال في جميع الأحوال، فمن الواضح أنه خسر الجولة أمام رأي عام داخلي راح يتهمه بأنه حول “إسرائيل” إلى دمية في يد ترامب، وخسرها أمام قوى إقليمية في المنطقة بدأت ترى في إيران لاعبا مؤثرا يتعين التعامل معه بقدر أكبر من الاحترام، وخسرها أمام رأي عام عالمي تزداد قناعته بأن “إسرائيل” باتت تشكل مصدر تهديد أساسي للسلم والأمن الدوليين، وليس على الصعيد الإقليمي فحسب.
في المقابل، يمكن القول أن إيران كسبت بالفعل، أو في طريقها لكسب، هذه الجولة من الصراع المسلح مع “إسرائيل”.
ولأن أحدا لم يتوقع أن تدخل إيران في مواجهة مسلحة مع “إسرائيل” لمجرد الوفاء بتعهد غير ملزم تجاه طرف ثالث، خصوصاً وأنها المرة الأولى في تاريخها التي تقدم فيها على خطوة من هذا النوع، فمن الطبيعي أن نتوقف عندها مليا للبحث في دلالاتها وفي نتائجها المحتملة على الصعيدين الدولي والإقليمي.
فلا شك أنها ستعلي كثيرا من شأن إيران في نظر حلفائها وتحولها إلى قائد قوي وموثوق به على الساحة الإقليمية، كما ستدعم كثيراً من مكانتها على الساحة الدولية. صحيح أن نتنياهو لن يستسلم لهزيمة يعتبرها ظرفية أو تكتيكية، خصوصاً وأنه ما يزال يعتقد أن سياساته التقليدية ما تزال قادرة على تحقيق أهدافه الاستراتيجية في نهاية المطاف، غير أن خسارته لهذه الجولة أضعفت من مكانته على الساحة الإقليمية، خصوصا في نظر القوى التي ما تزال تراهن عليه.
لا شك أن نتنياهو سيسعى في المرحلة المقبلة لإفشال المفاوضات الجارية حاليا بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصا وأن التسريبات الإعلامية تشير إلى أنها أسفرت حتى الآن عن صياغة مسودة لمذكرة تفاهم تدور حول إنهاء الحرب على كافة جبهات القتال، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية دون قيود، في مقابل إنهاء الحصار البحري على الموانيء الإيرانية، ورفع الحظر عن جزء من الأرصدة الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع الإنهاء التدريجي للعقوبات الدولية المفروضة عليها، في مقابل التزام إيران القاطع بعدم تصنيع أو امتلاك سلاح نووي، مع تأجيل البحث في التفاصيل المتعلقة بالبرنامج النووي إلى مفاوضات تعقد لاحقا وتستمر لفترة لا تتجاوز 60 يوماً.
وإذا صحت هذه التسريبات، فذلك يعني أن إيران نجحت في حذف البنود الخاصة ببرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي نهائياً من جدول أعمال هذه المفاوضات، ما يفسر شعور نتنياهو بالقلق الشديد إزاء أي اتفاق تسفر عنه هذه المفاوضات، حتى لو ضمن عدم امتلاك إيران للسلا ح النووي، لأنه سيمكنها في المقابل من الحصول على مكاسب اقتصادية تسمح لها بترسيخ نفوذها الإقليمي ودعم برنامجها التسليحي في مجال تصنيع الصواريخ والمسيرات، ما يعد كارثة كبرى من وجهة نظره. لذا ما زال الأمل يراود نتنياهو في أن صديقه ترامب لن يتخلى عن “إسرائيل”، وبالتالي فلن يقدم على إبرام صفقة بهذه الشروط مع إيران، والأرجح أنه يسعى لكسب وقت يحتاجه لتهدئة الأوضاع المحلية والعالمية خلال الفترة التي ستستغرقها مباريات كأس العالم في كرة القدم والاحتفالات التي ستجري بمناسبة مرور قرنين ونصف على تأسيس الولايات المتحدة.
أو على أي حال، يعتقد نتنياهو أنه إذا فشل في تخريب المفاوضات الأميركية الإيرانية فلديه خطة باء، تتمحور حول الاستماتة في التمسك بالحزام الأمني الذي نجح في إقامته حول “إسرائيل” من جميع الجهات. إذ تبلغ مساحة هذا الحزام ما يزيد عن 1000 كم مربع، ويمتد من جنوب نهر الليطاني شمالا ليغطي 70% من مساحة قطاع غزة جنوبا، ومن هضبة الجولان وجبل الشيخ وما حولهما من أراض سورية في الشمال الشرقي حتى مستوطنات الضفة الغربية.
ولأن حكومات سوريتا ولبنان والسلطة الفلسطينية استكانت وتخلت تماما عن المقاومة والكفاح المسلح، وبالتالي ما تزال تراهن على أن تحالفها مع الولايات المتحدة سيمكنها من تحرير أراضيها، وهو ما لن يحدث مطلقا، يدرك نتنياهو أن حزب الله بات العقبة الرئيسية التي سوف تحول دون تمكينه من فرض سيطرته الدائمة على هذا الحزام الأمني الممتد، باعتباره نواة “إسرائيل الكبرى”، ما يفسر إصراره العنيد على نزع سلاحه حتى لو تسبب ذلك في حرب أهلية في لبنان. غير أن هذا الهدف أصبح بعيد المنال بعد دخول إيران على خط المواحهة على الساحة اللبنانية ومحاولتها الرامية لفرض معادلات جديدة في المنطقة.
ما يزال الوقت مبكرا للحكم على مصير أو مستقبل هذه المعادلات، لكن الحقيقة التي لم يعد بمقدور أحد أن يجادل فيها أن المنطقة باتت منقسمة عامودياً بين محورين، أحدهما يقاوم التوحش الإسرائيلي المدعوم أميركياً، ولو بقلبه وهو أضعف الإيمان، والآخر يساعده ويعمل على تكريسه، ولو بالصمت.
- أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة
- المصدر: شبكة الميادين الاعلامية







