شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : مصر الممكنة 2030 (12) الاقتصاد السيادي…غياب الشفافية وتكافؤ الفرص

لا توجد دولة حديثة بلا مؤسسات سيادية قوية، كما لا توجد دولة حديثة مزدهرة باقتصاد لا يعرف قواعد المنافسة العادلة. وبين هاتين الحقيقتين تقع واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية حساسية وتعقيدًا في مصر المعاصرة: العلاقة بين الاقتصاد السيادي والاقتصاد الوطني، وبين مقتضيات الأمن القومي ومتطلبات الكفاءة الاقتصادية، وبين دور الدولة كمنظم للسوق ودورها كلاعب داخله.

لم يكن هذا الملف يومًا من الملفات السهلة. فكل حديث عنه يُستقبل عادة بين طرفين متناقضين؛ طرف يريد تحويله إلى قضية سياسية خالصة، وطرف آخر يريد إغلاق النقاش حوله بالكامل. بينما الحقيقة أن القضية، في جوهرها، قضية إدارة اقتصادية رشيدة قبل أن تكون أي شيء آخر.

عرفت هذا الملف مبكرًا خلال سنوات العمل السياسي والبرلماني. وكنت أرى دائمًا أن الدولة القوية لا تخشى الشفافية، وأن المؤسسات القوية لا تحتاج إلى الغموض لكي تثبت قوتها. كما كنت أرى أن حماية الدور الوطني للمؤسسات السيادية لا تتعارض مع خضوع النشاط الاقتصادي لمعايير واضحة للقياس والمحاسبة والمنافسة.

توسع النشاط الاقتصادي المرتبط بالمؤسسات السيادية في مصر عبر مراحل متعددة. لم يحدث ذلك دفعة واحدة، ولم يكن دائمًا نتيجة رؤية اقتصادية متكاملة، بل جاء في كثير من الأحيان استجابة لاحتياجات تنفيذية أو فراغات إدارية أو ظروف استثنائية مرت بها الدولة.

لا يستطيع منصف أن ينكر أن بعض هذه الكيانات لعب أدوارًا مهمة في تنفيذ مشروعات كبرى خلال فترات معينة، وساهم في إنجاز أعمال كانت الدولة تعتبرها عاجلة أو استراتيجية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد سنوات من هذا التوسع ليس: هل نجحت بعض المشروعات؟ بل: ما هو النموذج الأمثل للمستقبل؟ وهل ما يصلح في الظروف الاستثنائية يصلح كقاعدة دائمة لإدارة الاقتصاد؟

تكشف تجارب الدول أن وجود نشاط اقتصادي مرتبط بالدولة أو بالمؤسسات السيادية ليس أمرًا استثنائيًا. الصين تمتلك شركات حكومية عملاقة. سنغافورة تدير صناديق سيادية ضخمة. فرنسا وألمانيا احتفظتا بأدوار اقتصادية مهمة للدولة في قطاعات معينة. لكن الفارق الجوهري أن هذه الأنشطة تعمل غالبًا داخل أطر واضحة من الإفصاح والحوكمة والرقابة والقياس.

لا تكمن المشكلة في ملكية الدولة أو المؤسسات السيادية لبعض الأصول أو الشركات. المشكلة تبدأ عندما تتعدد القواعد داخل السوق الواحد. فالسوق الحديث يحتاج إلى قواعد متكافئة تسمح للمستثمر أن ينافس بناءً على الكفاءة والجودة والسعر، لا بناءً على الامتيازات أو الاستثناءات أو اختلاف المعايير.

المستثمر المحلي والأجنبي لا يسأل فقط عن حجم السوق أو عدد السكان أو موقع الدولة الجغرافي. يسأل قبل ذلك عن وضوح القواعد. هل الجميع يخضع للقوانين نفسها؟ هل المنافسة عادلة؟ هل العقود واضحة؟ هل يستطيع التنبؤ بالسياسات الاقتصادية؟ وهل يمكنه اللجوء إلى منظومة قضائية وتنظيمية مستقرة إذا نشأ خلاف؟

لهذا السبب ترتبط هذه القضية مباشرة بمناخ الاستثمار. فكلما اتسعت المساحة الرمادية بين المنظم والمنافس، زادت حالة التردد لدى المستثمرين. ليس لأنهم يرفضون دور الدولة، بل لأنهم يبحثون عن بيئة اقتصادية يمكن فهمها والتنبؤ بها.

تشير أدبيات الحوكمة الاقتصادية الحديثة إلى أن الفصل بين وظيفة التنظيم ووظيفة التنفيذ يمثل أحد المبادئ الأساسية للإدارة الرشيدة. فالجهة التي تضع القواعد ينبغي أن تكون مختلفة عن الجهة التي تنافس داخل هذه القواعد. وكلما اقترب الدوران من بعضهما، زادت احتمالات تضارب المصالح واختلال التوازن.

لا يعني ذلك أن تنسحب الدولة من الاقتصاد أو أن تتخلى عن مسؤولياتها الاستراتيجية. فالدولة المصرية، بحكم حجمها وتحدياتها، ستظل لاعبًا رئيسيًا في مجالات عديدة. لكن الفارق كبير بين الدولة التي تنظم السوق وتدعمه، والدولة التي تصبح منافسًا مباشرًا في معظم قطاعاته.

تكشف تجارب دول عديدة أن الاقتصاد الأكثر ديناميكية هو الاقتصاد الذي يعرف بوضوح أين ينتهي دور الدولة وأين يبدأ دور القطاع الخاص. كوريا الجنوبية بنت نهضتها الصناعية عبر شراكة واضحة بين الدولة والقطاع الخاص. ماليزيا اعتمدت على الدولة كمحفز وموجه. تركيا توسعت في الإصلاحات الاقتصادية التي عززت دور السوق مع الإبقاء على أدوات الدولة الاستراتيجية.

تحتاج مصر إلى حسم هذا السؤال بصورة أكثر وضوحًا خلال العقد القادم. ليس لأن المؤسسات السيادية تمثل عبئًا، بل لأن الاقتصاد المصري يحتاج إلى رؤية مستقرة للأدوار. رؤية تسمح للدولة بالتركيز على وظائفها الأساسية، وتمنح القطاع الخاص الثقة اللازمة للاستثمار طويل المدى.

لا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص دون الحديث عن الشفافية. فالشفافية ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل ضرورة اقتصادية. المستثمر يحتاج إلى بيانات. والبرلمان يحتاج إلى معلومات. والمجتمع يحتاج إلى معرفة الصورة الحقيقية للاقتصاد الوطني. وكلما اتسعت دائرة الإفصاح، تحسنت جودة النقاش العام، وارتفعت كفاءة القرار الاقتصادي.

تزداد أهمية هذه القضية حين ننظر إلى الحلقة السابقة الخاصة بالاقتصاد غير الرسمي. هناك تحدثنا عن جزء من الاقتصاد لا تراه الدولة بالكامل. وهنا نتحدث عن جزء آخر من الاقتصاد لا يراه السوق بالكامل. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: ضعف القدرة على القياس، وضعف القدرة على التخطيط، وضعف القدرة على بناء الثقة.

لا يمكن إدارة اقتصاد حديث بأجزاء غير مرئية. الاقتصاد الذي لا يُقاس بدقة لا يمكن التخطيط له بدقة. والاقتصاد الذي لا تتوافر حوله معلومات كافية يصبح أكثر عرضة للتقديرات المتضاربة والقرارات غير المبنية على بيانات كاملة.

لهذا السبب تحتاج مصر الممكنة إلى قاعدة بيانات اقتصادية وطنية أكثر شمولًا. قاعدة تسمح بفهم الوزن الحقيقي لكل قطاع، وحجم مساهمة كل فاعل اقتصادي، وطبيعة العلاقات بين الدولة والسوق. فالمعرفة الدقيقة ليست رفاهية أكاديمية، بل شرط أساسي للإدارة الرشيدة.

تبدأ خريطة الطريق من تحديد واضح للأنشطة ذات الطبيعة الاستراتيجية الخالصة، وتمييزها عن الأنشطة الاقتصادية التجارية التي يمكن أن تعمل داخل قواعد السوق الطبيعية. كما تبدأ من توسيع الإفصاح المؤسسي، وتطوير معايير الحوكمة، وتعزيز دور الأجهزة الرقابية والبرلمان في متابعة الأداء الاقتصادي العام.

تحتاج الدولة كذلك إلى تبني معايير موحدة لقياس الكفاءة الاقتصادية. فالمشروع الجيد ليس ما ينجز بسرعة فقط، بل ما يحقق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي على المدى الطويل. والإنفاق الناجح ليس ما يستهلك الأموال بالكامل، بل ما يحول هذه الأموال إلى قيمة حقيقية للمجتمع.

لا يتعلق الأمر هنا بصراع بين الدولة والسوق، ولا بين المؤسسات السيادية والقطاع الخاص. يتعلق الأمر ببناء اقتصاد أكثر توازنًا وقدرة على النمو. اقتصاد يعرف لكل طرف دوره، ولكل مؤسسة حدود مسؤوليتها، ولكل جنيه عام هدفه الواضح.

مصر الممكنة لا تطلب إقصاء أحد، ولا تسعى إلى هدم أي مؤسسة وطنية، بل تسعى إلى بناء منظومة اقتصادية أكثر شفافية وكفاءة وعدالة. منظومة يكون معيار النجاح فيها هو الإنتاجية والابتكار والقيمة المضافة، لا حجم النفوذ أو طبيعة الانتماء المؤسسي.

الاقتصاد القوي لا يقوم على الغموض، بل على الوضوح. ولا

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى