شباك نورمقالات وآراء

د.ايمن نور يرسل رسالة إلى وزير الخارجية بدر عبد العاطي،

معالي الوزير..،

استبشر كثيرون بتوليكم مسؤولية وزارة الخارجية في الثالث من يوليو 2024، خلفًا للوزير سامح شكري، أملاً في أن تحمل المرحلة الجديدة قدرًا أكبر من الانفتاح والحيوية في إدارة السياسة الخارجية المصرية.

ولعل هذا الشعور ذكّرني شخصياً و بعض أبناء جيلي بلحظة أخرى قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين تولى السيد عمرو موسى وزارة الخارجية عام 1991 خلفًا للدكتور أحمد عصمت عبد المجيد.

يومها لم يكن التغيير مجرد انتقال إداري بين وزيرين، بل بدا للكثيرين انتقالًا في اللغة والأسلوب والمنطق والحضور والانفتاح على الرأي العام، وهو ما منح المؤسسةالدبلوماسية المصرية زخمًا جديدًا وحضورًا مختلفًا.

سيادة الوزير،،،

تعززت التوقعات مع قرار إسناد ملفي التعاون الدولي وشؤون المصريين بالخارج إلى وزارتكم في الحادي عشر من فبراير 2026، باعتبارها خطوة تتيح رؤية أكثر تكاملاً للعلاقة بين الدولة وأبنائها المنتشرين حول العالم، وتفتح الباب أمام مقاربة جديدة تجعل المصري في الخارج شريكًا في المسؤلية لا مجرد متلقٍ للخدمة منقوصة أو انتقائية .

سيادة الوزير،،،

الحقيقة أن السياسة الخارجية المصرية شهدت خلال العامين الماضيين حراكًا ملحوظًا في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، فرضتها أزمات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، فضلاً عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.

غير أن هذا الحراك لم ينعكس بالقدر نفسه على أداء وفهم بعض بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج،

خصوصًا في الدول التي تضم موسسات دولية او جاليات مصرية كبيرة وحضورًا مؤثرًا لرموز مصرية .

فما زال بعض السفراء يتعاملون مع المصريين في الخارج بمنطق <التصنيف >

لا التواصل، وبعين الشك ،قبل عين الفهم والمعرفة، وكأن كل نشاط عام، أو مبادرة أو لقاء هو بالضرورة موقف سياسي ينبغي الحذر منه ،أو التعامل معه باعتباره مصدر إزعاج ،أو منافسة أو مزاحمة ،او تهديدًا محتملاً.

سيادة الوزير،،،

تلك رؤية قاصرة لا تظلم أصحابها فقط، بل تحرم الوطن من طاقات ، يمكن أن تكون سندًا له في لحظات يحتاج فيها إلى كل صوت مخلص وكل جهد نافع.

سيادة الوزير،،،

قبل ما يقرب من مائة وخمسة وأربعين عامًا وقف أحمد عرابي في مواجهة الاستعلاء والتمييز معلنًا عبارته الخالدة:

«لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا».

لم تكن تلك الكلمات مجرد احتجاج على ظلم سياسي، بل كانت إعلانًا مبكرًا عن كرامة المواطن وحقه في أن يُعامل بوصفه شريكًا في الوطن لا تابعًا لحكومة او سفارة!.

وإذا كان عرابي قد رفض أن يُختزل المصريون إلى أملاك أو ممتلكات، فإن أبناء مصر في الخارج يستحقون اليوم أن يُنظر إليهم باعتبارهم قيمة مضافة للوطن، لا مجرد ملفات أمنية او إدارية أو أرقام في سجلات قنصلية أو تصنيفات سياسية جاهزة وغالباً خاطئة!.

سيادة الوزير،،،،

الوطن ليس ملكًا للسلطة ولا للمعارضة، وليس حكرًا على مؤسسة و أوسع من تيار أو جماعة.

ومصلحة البلاد لا يحتكر فهمها أحد،

كما أن الإخلاص لها لا يحتاج إلى شهادة اعتماد من جهة رسمية أو غير رسمية.

سيادة الوزير

يبدو مؤسفًا أن تتغلب أحيانًا ردود الفعل الانفعالية أو الافتراضات الأمنية على منطق الحوار والتواصل، رغم أن مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة قامت تاريخيًا على الحكمة والاحتواء وبناء الجسور لا على إقامة الحواجز.

سيادة الوزير،،

لا أتحدث هنا فقط عن المناخ العام للعلاقة بين الدولة وأبنائها في الخارج،

بل أتحدث أيضًا عن بعض المشكلات العملية التي ما زالت تؤرق آلاف المصريين، وفي مقدمتها قضايا الوثائق الثبوتية واستخراج وتجديد جوازات السفر وشهادات الميلاد والرقم القومي والتوكيلات وسائر المعاملات القنصلية التي تمثل بالنسبة للمواطن حقًا أصيلًا لا منحة إدارية.

فالمواطن في الخارج لا ينبغي أن يشعر أنه يطلب فضلًا من دولته حين يسعى إلى الحصول على وثيقة تثبت هويته أو تحفظ حقه القانوني، بل يجب أن يشعر أن مؤسسات بلاده هي السند الأول له أينما كان.

سيادة الوزير،،،

حديثي اليوم عن أمر آخر أكثر أهمية وأبعد أثرًا: كيفية الاستفادة من المصريين في الخارج باعتبارهم قوة وطنية ناعمة، لا مجرد جالية تحتاج إلى خدمات إدارية.

تعلم سيادتك ان العالم كله بات يتحدث عن الدبلوماسية الشعبية باعتبارها الشريك الطبيعي للدبلوماسية الرسمية. رجال الأعمال والمثقفون والفنانون والإعلاميون والسياسيون ومنظمات المجتمع المدني

باتوا جزءًا من أدوات التأثير الدولي وصناعة الصورة الذهنية للدول.حتي في الأمم المتحدة وهيئاتها

وفي أحيان كثيرة تحقق الدبلوماسية الشعبية ما تعجز عنه القنوات الرسمية وحدها،

أو تمهد لها الطريق، أو تمنحها عمقًا إنسانيًا وثقافيًا لا توفره البيانات واللقاءات البروتوكولية.

معالي الوزير،

ربما يكون من المفيد أن تخصص الوزارة لقاءً أو ندوة أو برنامجًا تدريبيًا يفتح هذا الملف أمام بعض بعثاتنا الدبلوماسية، ليس من باب النقد أو المراجعة فحسب،

بل من باب تحديث أدوات العمل الدبلوماسي نفسها.

سيادة الوزير،،،

الدولة الراشدة تدرك ان ليس كل مستقل خصمًا، وليس كل مختلف عدوًا، وليس كل نشاط عام مشروع مواجهة مع الدولة.

الدول الواثقة من نفسها لا تخشى أبناءها، بل تحسن الاستفادة من طاقاتهم،

وتدرك أن نفوذها الحقيقي يبدأ من قدرتها على تحويل مواطنيها في الخارج إلى جسور محبة وتأثير وحضور.

هذه ليست رسالة احتجاج، ولا عتابًا شخصيًا، بل كلمة محبة لوطن يستحق أن يجمع أبناءه جميعًا تحت راية واحدة، وأن يرى في تنوعهم قوة، وفي نجاحهم إضافة، وفي اختلافهم مصدر ثراء لا سببًا للقلق.

فمصر تكسب كلما اتسعت دوائر الثقة بين الدولة وأبنائها، وتخسر كلما ضاقت تلك الدوائر واتسعت المسافات.

رساله للجان الإلكترونية

في تقديري، السطور السابقة هي رسالة ايضا للجان الإلكترونية التي تتحرك فجاءة لتسأل وفقا للتعليمات عن الصفه ،والصفقة و تكرر الرسائل التي لم اعتاد الالتفات اليها فالأهم في زمن يحتاج فيه الوطن إلى كل أبنائه.الا نقف عند الصغائر وسخافات الصغار

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى