
لم تعد الحياة في مصر تُقاس بالسنوات أو بالأحلام.. ولا حتى بـ«الإنجازات»، بل أصبحت مرتهنة بمنظومة «العدَّادات»…عدَّاد مياه يُراقب كل قطرة، وكهرباء يُحصي كل لمبة، وغاز يتربص بكل لقمة، وإنترنت يلتهم «الجيجابايت»، كما يلتهم الجوع ما تبقى من الراتب!
وفقًا لتلك «العدَّادات» ـ التي تُحصي كل شيء، حتى النَّفَس ـ ربما نكون قد أغفلنا عدَّادًا آخر غير مرئي، وهو عدَّاد العمر نفسه، الذي أصبح يتآكل يومًا بعد يوم، تحت ضغوط الفقر والفاقة والغلاء والفواتير والأسعار… والهموم!
وسط كل تلك «العدَّادات»، تم استحداث «العداد الكودي» مؤخرًا، باعتباره حلًا إداريًّا وتنظيميًّا لمشكلة العقارات المخالفة أو غير المقننة، لكنه في نظر غالبية المواطنين إلى «جباية» مستحدَثَة، تتجدد «يوميًّا» مع كل شحنة رصيد!
فكرة ربما تبدو منطقية، وهي «الدفع مقابل الاستهلاك»، لإنهاء ملف الفواتير المتراكمة والتحصيل التقليدي، لكن المشكلة تتعاظم عندما يصبح المواطن مطالَبًا بشحن العداد قبل احتياجات بيته الأساسية، لتتحول الكهرباء إلى هاجس يومي، يؤرق المواطن البسيط، الذي لم يعد قادرًا على فهم المشكلة، هل هي في الاستهلاك، أم القُدرة على تحمل التكلفة؟
بكل أسف، لا يعترف «العداد الكودي» بالظروف الاجتماعية، ولا دَخْل الأسرة، إذ لا يميز بين موظف ينتظر راتبه آخر الشهر، أو عامل باليومية قد لا يجد قوت يومه غدًا، أو مسن لم يصرف معاشه منذ شهور، بانتظار إصلاح «السيستم».. لذلك نرى العدَّاد «شديد الانضباط»، لا يعرف الرحمة، عند التهام الرصيد واستعجال الشحن!
اللافت أن أسعار شرائح الاستهلاك، تتصاعد بشكل دوري ـ عدة مرات في العام الواحد ـ ليجد المواطن نفسه أمام معادلة مستحيلة، إما تقليل الاستهلاك إلى أدنى قاع الحد الأدنى، أو الشحن المتكرر الذي يستنزف دخله المحدود!
الحاصل أن غالبية الأسر أصبحت تُدير حياتها وفقًا لمنطق العدَّاد، لا منطق الاحتياج الفعلي، فتشغيل جهاز «تكييف» ـ إن وُجد أساسًا ـ بات قرارًا اقتصاديًا يحتاج إلى دراسة جدوى، والسخَّان الكهربائي تحول إلى رفاهية، لتنشغل الأُسرة بمراجعة عدد ساعات تشغيل الأجهزة.. وكأن المواطن لم يعد يُدير منزلًا، بل محطة كهرباء صغيرة تعمل بنظام «جدول تخفف الأحمال»!
بالطبع، لا أحد يُنكر ما تواجهه الدولة من تحديات ضخمة في توفير الغاز اللازم لتشغيل المحطات، كما لا أحد يطالبها بإهدار الموارد، لكن إدارة الأزمات لا تكون دائمًا بتحميل المواطن وحده كامل الأعباء، خصوصًا أنه ـ خلال السنوات الأخيرة ـ لم يعد قادرًا على تحمل زيادات أسعار أخرى، أو رسوم إضافية أو أعباء معيشية!
إذن، المطلوب ليس مجرد الحديث فقط عن الدفع، أو ترشيد الاستهلاك، بل إيجاد حلول واقعية، تحقق التوازن بين حق الدولة في تحصيل مستحقاتها، وحق الناس في إعادة النظر بأسعار شرائح الاستهلاك المنزلي، التي باتت تفوق قدرة «المواطن المليونير»، كما يجب فورًا منح مرونة أكبر في أنظمة الشحن والسداد، عبر إتاحة تقسيط بعض المبالغ أو تقديم تسهيلات في أوقات الأزمات الاقتصادية، فليس من المنطقي أن يتحول انقطاع الرصيد إلى عقوبة فورية لأسرة تعاني أصلًا من ضغوط حياتية وأعباء معيشية تنوء بحملها الجبال!
نتصور أنه يجب إقرار الحكومة بأن الشعب لم يعد يحتمل مزيدًا من «الجباية» أو مضاعفة الضغوط اليومية، فالمواطن الذي يستيقظ على أسعار جديدة كل يوم، ويواجه أعباء معيشية متزايدة، لا يحتاج إلى عدَّاد إضافي يُحصي عليه أنفاسه، وبالتالي فإن المطلوب سياسات أكثر تفهمًا للواقع الاجتماعي، وأكثر إدراكًا لقُدرة الناس الفعلية على التحمل.
أخيرًا.. يجب أن تدرك وزارة الكهرباء أن الشعب يئن تحت وطأة «جبايتها»، وعليها تغيير شعارها الحالي «اتكهرب وانت ساكت، لقد نفذ رصيدكم»، و«ادفع بالتي هي أحسن»، لأن معاناة الناس لا تُقاس بـ«الكيلووات» ولا بـ«الأمتار المكعبة»، بل بقدر ما تبقى لديهم من قُدرة على الصبر والاحتمال، وهذه القُدرة تحتاج إلى «شحن معنوي ومادي مسبَق الدفع»، بدلًا من أن تكون مثل رصيد العدَّاد الذي يتبخر سريعًا.







