أخبار العالمملفات وتقارير

الصحافة الدنماركية وتغطية القضية الفلسطينية تكشف ازدواجية المعايير الغربية وصدمة السردية الموجهة

تتحرك الدوائر الإعلامية في شمال أوروبا وفق حسابات سياسية معقدة تتجنب دائما صدام المصالح مع القوى الكبرى، وتعتمد هيئة البث العام الدنماركية نهجا تقليديا ينحاز للرواية الأمنية الصهيونية بشكل شبه كامل، وتتعمد المؤسسة الإعلامية الأكبر هناك طمس الحقائق التاريخية المتعلقة بالاحتلال والحصار المستمر لسنوات طويلة.

الصداقة السياسية والدبلوماسية تحكم بوصلة الصحافة الدنماركية وتغطية القضية الفلسطينية التي غابت عنها العدالة الإعلامية عقودا طويلة، وتخضع التوجهات التحريرية لتأثيرات اللوبي الداعم للاستيطان والتهجير القسري وعنف المستوطنين بالأراضي المحتلة، ويظهر هذا بوضوح في تبني الروايات الغربية الجاهزة دون النظر لجذور الصراع التاريخي والسياسي والقانوني.

تبدأ الأزمة الحقيقية من طريقة تعاطي وسائل الإعلام الإسكندنافية مع أحداث السابع من أكتوبر 2023 بشكل موجه، وحرصت المنصات الرسمية الدنماركية على التركيز على الصدمة داخل المجتمع الإسرائيلي والمخاوف الأمنية المزعومة، وتجاهلت المنابر ذاتها حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها المدنيون واعتبرتها مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية.

تتزايد الضغوط الشعبية والدولية على المؤسسات الرسمية في كوبنهاغن بسبب اتساع حجم الكارثة الإنسانية وجرائم التجويع والمجاعة ونقص المياه والدواء، وتجبر هذه التحولات الصحافة الدنماركية وتغطية القضية الفلسطينية على تغيير طفيف في شكل السردية الإخبارية، وتضطر الشاشات لبث تقارير المنظمات الحقوقية الدولية مرغمة للحفاظ على بقايا مصداقيتها المفقودة.

اختراق السردية الموجهة

تكشف الأوضاع المتفجرة في الضفة الغربية زيف الادعاءات الغربية حول رعاية حقوق الإنسان والاتساق مع القانون الدولي، وسلط تقرير موسع نشر مؤخرا الضوء على قرية خان الأحمر المهددة بالهدم والتهجير القسري الممنهج، وتبرز هذه النماذج حجم التواطؤ الأوروبي الرسمي الذي يكتفي ببيانات دبلوماسية باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع.

تضع هذه المعطيات الميدانية الواضحة الحكومات الأوروبية في مأزق سياسي حاد بسبب اتساع الفجوة بين خطاباتها الرنانة وممارساتها الفعلية، وتتجاهل العواصم الغربية خطط التوسع الاستيطاني المستمرة التي تقوض كليا فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة، ويسهم هذا الصمت المطبق في استمرار معاناة المواطنين تحت وطأة العقاب الجماعي والحصار الخانق.

تقارن القراءات التحليلية بين الأداء الإعلامي الدنماركي ونظيره في التلفزيون النرويجي الذي امتلك شجاعة أكبر ومقاربة أكثر جرأة، وخصصت الشبكة النرويجية منذ مراحل مبكرة تحقيقات وبرامج تناولت تأثير الاحتلال والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين بوضوح، وتوضح هذه المقارنة مدى التراجع والبطء الذي وسم تفاعل المنظومة الإخبارية الدنماركية مع المأساة.

تؤثر الصحافة الدنماركية وتغطية القضية الفلسطينية بشكل مباشر على صناع القرار والرأي العام المحلي في الدول الإسكندنافية، ويصعب اليوم تجاهل التساؤلات الجوهرية حول سياقات الصراع وجذوره العميقة المرتبطة بالحقوق التاريخية المشروعة، وتتصاعد حدة الانتقادات الشعبية والمدنية الموجهة للحكومة الدنماركية التي تتبنى معايير مزدوجة واضحة في التعامل مع الأزمات الدولية.

تثبت الوقائع الميدانية المتلاحقة أن محاولات حصر القضية في زاوية النزاعات الأمنية المحلية المعزولة قد باءت بالفشل الذريع، وتدرك الأوساط الإعلامية تدريجيا أن فهم ما يدور من فظائع لا يمكن فصله عن واقع الاحتلال المستمر منذ عقود، وينتقل النقاش الشعبي مرغما نحو الأسئلة الكبرى المرتبطة بالقانون الدولي ومستقبل وحقوق الشعب الفلسطيني الإنسانية والسياسية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى