د. أيمن نور يكتب: الحركة المدنية… إنقاذ الممكن أم هدم المظلة؟

هناك لحظات في حياة القوى الوطنية لا تحتاج إلى صوت مرتفع بقدر حاجتها إلى حكمة هادئة. لحظات يصبح فيها الحفاظ على الجسور أهم من تسجيل النقاط، ويصبح ترميم المظلة أولى من البحث عمن أحدث فيها الثقوب. ولعل الحركة المدنية تقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات الفارقة؛ لحظة لا تحتمل الغضب بقدر ما تحتاج إلى البصيرة، ولا تستدعي الانقسام بقدر ما تستدعي الشجاعة اللازمة لإنقاذ الممكن قبل ضياعه.
أقول منذ البداية إنني لست في موضع يسمح لي بإسداء النصائح، ولا أملك من التفاصيل الداخلية والتنظيمية ما يتيح لي الادعاء بفهم كامل لكل ما أوصل الأمور إلى هذه المرحلة الدقيقة. فمن لا يعيش داخل الغرفة لا يجوز له أن يتحدث وكأنه شهد كل ما دار فيها.
غير أن الوقوف خارج الصورة يمنح أحيانًا زاوية رؤية مختلفة، لا أفضل ولا أصدق، لكنها قد تلتقط بعض التفاصيل التي تغيب عن المنهمكين داخل المشهد. ومن هذا الموضع فقط أكتب؛ لا من موقع الوصاية، ولا من مقعد الأستاذية، بل من موقع الحريص على كيان أرى أن الحاجة إليه ما زالت قائمة، وربما أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
يصعب عليّ أن أدعي خبرة تتجاوز خبرات شخصيات بحجم وتاريخ حمدين صباحي، أو قيادات جمعتني بهم عقود طويلة من العمل العام، وفي مقدمتهم محمد عوض رئيس حزب الخضر، الذي جمعتنا زمالة قديمة في لجنة شباب أحزاب المعارضة مطلع الثمانينيات، والسياسي المخضرم محمد أنور السادات الذي جمعتني به سنوات ممتدة من العمل البرلماني والسياسي.
كما لا أنسى صلاح عدلي، رفيقي في الأيام الأولى من ثورة يناير، حين اقتربنا معًا من حافة الموت تحت ضربات البلطجة المنظمة بالقرب من ميدان التحرير. ولا أنسى الصديق المحترم مدحت الزاهد، الذي جمعتنا المهنة والعمل العام لأربعة عقود ولم تفرقنا السياسة رغم اختلاف المواقع والاجتهادات.
وفي صدارة هذا المشهد يبقى الصديق العزيز أكمل قرطام، الذي ترك في الحياة السياسية أثرًا أخلاقيًا ومبدئيًا يجعل كثيرين (وأنا أولهم)ينظرون إليه بعين التقدير والاحترام والمحبه.
كما لا تخفى الصلة الإنسانية والسياسية بالأستاذة جميلة إسماعيل، وسعادة النائب طلعت خليل، وسعادة النائب إيهاب الخولي، والأستاذ فريد زهران والاستاذ مجدي عبد الحميد والاستاذ الصديق مجدي حمدان، وجميعهم تشرفت بالعمل معهم في محطات سياسية متعددة.
من هذا الموضع فقط أطرح بعض الأسئلة التي أراها ضرورية في لحظة تبدو فيها الحكمة أهم من الانتصار، والبقاء أهم من الغلبة.
في تقديري، لم تولد الأزمة الحالية فجأة. فقد سبقتها محطات متراكمة تركت آثارها العميقة داخل الحركة. وكانت الانتخابات الرئاسية الأخيرة واحدة من هذه المحطات، حين لم تتمكن الحركة من تقديم مرشح يعبر عنها أو التوافق بصورة واضحة حول مرشح تلتف حوله. وكنت أتمنى، وما زلت، أن يخرج ترشح أحمد الطنطاوي للرئاسة من داخل الحركة أولًا، لا أن تجد الحركة نفسها لاحقًا أمام استحقاق لم تشارك في صناعته بالقدر الكافي.
ثم جاءت محطة تأسيس التيار الحر، وما صاحبها من تشكيك في النوايا والبواعث والقيادات، بدلًا من النظر إليه باعتباره إضافة سياسية محتملة إلى المجال العام المعارض. وتطورت الأمور لاحقًا إلى أزمات مؤسفة كان من بينها ما تعرض له الزميل العزيز هشام قاسم من تقييد لحريته ستة أشهر كاملة، وهي محطة لا يصح التقليل من أثرها في تعميق التوترات اللاحقة.
أما المحطة الثالثة فكانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة وما ارتبط بها من قرارات تتعلق بتحالفات الأحزاب وخياراتها الانتخابية. وما زلت أرى أن تلك اللحظة مثلت نقطة خلاف جوهرية كان يمكن التعامل معها بمرونة أكبر تحفظ استقلالية المكونات المختلفة داخل الحركة.
غير أن هذه الأسباب المباشرة لا تبدو كافية وحدها لتفسير ما يحدث. فالمشكلة الأعمق، في تقديري، ليست في الأشخاص بقدر ما هي في طبيعة الإطار الحاكم للعلاقة بينهم.
هل نحن أمام حزب كبير متعدد الاتجاهات؟ أم أمام جبهة سياسية وطنية واسعة؟ هنا يكمن السؤال الحقيقي.
فالحزب يبحث بطبيعته عن وحدة القرار والانضباط والبرنامج. أما الجبهة فتبحث عن إدارة التنوع، وتنظيم التباين، والاتفاق على الحد الأدنى من المشتركات. الحزب يضم أعضاء، أما الجبهة فتضم شركاء. الحزب قد ينظر إلى الاختلاف باعتباره مشكلة، أما الجبهة فتنظر إليه باعتباره حقيقة سياسية ينبغي إدارتها لا إنكارها.
لذلك لا يبدو السؤال اليوم: من المخطئ ومن المصيب؟ بل: هل تملك الحركة الشجاعة الكافية لإعادة تعريف نفسها؟ وهل تستطيع الانتقال من منطق التنظيم المغلق إلى منطق الجبهة الوطنية الرحبة؟ وهل يمكن أن تتسع للجميع دون أن تطالب الجميع بأن يصبحوا نسخة واحدة؟
وهنا تبرز مسؤولية رموز الخبرة والحكمة داخل الحركة؛ من أمثال حسن نافعة، وعمار علي حسن، وعبدالجليل مصطفى، وسمير عليش، وغيرهم من المؤسسين والرموز الذين يدركون أن السياسة ليست فن إزالة التناقضات، بل فن إدارتها، وأن النجاح لا يتحقق بتحويل المختلف إلى نسخة منا، بل بالقدرة على العمل معه رغم استمرار اختلافه.
لعل السؤال الذي يستحق التأمل اليوم ليس: من سيغادر؟ بل: من المستفيد من أن تتفكك الحركة؟ ومن يربح إذا ضاقت المظلة أكثر؟ ومن الذي قد يفرح إذا تحولت الخلافات الطبيعية إلى انقسامات دائمة؟ وهل تكون القوى المدنية قد خدمت مشروعها إذا تحولت خلافاتها إلى هدية مجانية لخصوم المجال العام كله؟
المطلوب، في تقديري، ليس أن يذوب حزب في حزب، ولا أن يتخلى تيار عن هويته، بل أن تعيد الحركة بناء نفسها كجبهة سياسية واسعة؛ تحترم استقلال الأحزاب، وتوسع دائرة المشاركة، وتجدد دماءها، وتحافظ على رموزها، وتنظم خلافاتها بقواعد واضحة وعادلة.
المعارضات التي تضيق ببعضها تخسر قبل أن يربح خصومها. أما القوى التي تمتلك شجاعة المراجعة فتستطيع أن تحول الأزمات إلى فرص، والخلافات إلى مصادر قوة، والتنوع إلى رصيد سياسي لا إلى عبء تنظيمي.
لذلك تبدو لحظة اليوم فرصة لاختبار الحكمة أكثر منها اختبارًا للقوة، وفرصة لإنقاذ الممكن أكثر منها مناسبة لتحديد المنتصر والمهزوم.
فإذا نجح الجميع في الانتقال من مراجعة الوقائع إلى مراجعة الإطار الذي فسروا به هذه الوقائع، فقد تتحول الأزمة إلى بداية جديدة. أما إذا بقينا أسرى الأدوات نفسها وطريقة التفكير نفسها التي صنعت المشكلة، فسنبقى نختلف في النتائج بينما نتفق، دون أن ندري، على الأسباب التي أوصلتنا إليها.
تلك هي القضية في تقديري:
إنقاذ الممكن قبل أن تضيق وتهدم المظلة على رأس الجميع.







