د. أيمن نور يكتب : مصر الممكنة 2030 (13) التخطيط الاقتصادي…عقل الدول

لم تسقط دول كثيرة بسبب نقص الموارد، بل بسبب غياب الرؤية. ولم تتعثر أمم لأنها كانت فقيرة فقط، بل لأنها فقدت القدرة على الإجابة عن سؤال بسيط وخطير في آن واحد: إلى أين نحن ذاهبون؟ فالدولة التي لا تعرف وجهتها تشبه سفينة ضخمة تتحرك بكفاءة عالية، لكنها لا تعرف الميناء الذي تقصده.
خلال العقود الأخيرة أصبح الحديث عن التخطيط الاقتصادي في بعض الأوساط أقرب إلى تهمة فكرية منه إلى أداة تنموية. جرى الخلط عمدًا أو جهلًا بين التخطيط الاستراتيجي وبين التخطيط المركزي، وبين إدارة الاقتصاد وبين السيطرة عليه، وبين تحديد الاتجاهات العامة وبين مصادرة حرية السوق. ونتيجة لذلك انتقلت دول كثيرة من الإفراط في التخطيط إلى الإفراط في الارتجال، بينما كانت الدول الناجحة تبحث عن نقطة التوازن بين الاثنين.
لا تحتاج مصر إلى العودة إلى نماذج الستينيات، كما لا تحتاج إلى الاستسلام الكامل لفكرة أن السوق وحده قادر على حل كل المشكلات. تحتاج إلى شيء أكثر نضجًا وحداثة: دولة تعرف إلى أين تذهب، وتترك للمجتمع والقطاع الخاص مساحة الحركة والابتكار داخل هذا الاتجاه.
تكشف التجارب الدولية أن أعظم قصص النجاح الاقتصادي في العالم لم تقم على الفوضى الاقتصادية، كما لم تقم على الإدارة البيروقراطية الكاملة. كوريا الجنوبية لم تتحول من دولة فقيرة بعد الحرب إلى قوة صناعية عالمية بالصدفة. وسنغافورة لم تصبح مركزًا عالميًا للتجارة والخدمات المالية لأنها تركت الأمور تسير وحدها. والصين نفسها، رغم اختلاف نموذجها السياسي، لم تحقق قفزتها التاريخية إلا من خلال تخطيط استراتيجي طويل المدى حدد الأولويات والقطاعات والمراحل.
لم يكن التخطيط في هذه الدول يعني أن الحكومة تحدد عدد الأحذية التي ينبغي إنتاجها أو كمية القماش التي يجب بيعها كما كانت تفعل بعض النظم المركزية القديمة. بل كان يعني أن الدولة تحدد الوجهة العامة: ما هي القطاعات الواعدة؟ ما هي المهارات المطلوبة؟ ما هي الأسواق المستهدفة؟ ما هي البنية الأساسية الضرورية؟ وما هي الاستثمارات التي ينبغي تشجيعها؟
هنا يكمن الفرق بين التخطيط المركزي والتخطيط الاستراتيجي. الأول يحاول أن يدير السوق بدلًا من السوق، أما الثاني فيحاول أن يرشد السوق ويوجه طاقاته نحو أهداف وطنية واضحة.
عاشت مصر خلال العقود الأخيرة حالة متناقضة. فمن ناحية امتلكت خططًا واستراتيجيات عديدة تحمل عناوين طموحة، ومن ناحية أخرى ظلت القرارات اليومية تتحرك أحيانًا بمعزل عن هذه الرؤى. ظهر التناقض بين ما يُكتب في الخطط وما يُنفذ على الأرض، وبين الأهداف المعلنة والأدوات المستخدمة للوصول إليها.
لهذا السبب لم تعد المشكلة الأساسية في نقص الخطط، بل في غياب منظومة التخطيط نفسها. فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى وثيقة تُنشر كل عدة سنوات، بل تحتاج إلى عملية مستمرة من جمع المعلومات وتحليلها واستشراف المستقبل ومراجعة السياسات وتعديل المسار.
طوال سنوات العمل البرلماني كنت أتابع هذا الخلل بوضوح. كانت الحكومات تأتي بخطط جيدة في بعض الأحيان، لكنها تفتقد المؤسسات القادرة على تحويل الخطة إلى واقع، أو تفتقد آليات المتابعة والقياس والمحاسبة. فالتخطيط ليس وثيقة، بل منظومة كاملة تبدأ بالمعلومة ولا تنتهي عند التنفيذ.
تحتاج مصر إلى إعادة الاعتبار لفكرة التخطيط الاقتصادي بوصفها وظيفة سيادية أساسية من وظائف الدولة. ليست وظيفة وزارة بعينها، ولا لجنة مؤقتة، ولا مركز أبحاث منفصل، بل جزء من العقل الاستراتيجي للدولة.
تبدأ هذه المهمة من تحديد الغايات الكبرى التي ينبغي أن تحكم السياسات العامة حتى عام 2030 وما بعده. ما معدل النمو المستهدف؟ ما نسبة مساهمة الصناعة؟ ما حجم الصادرات؟ ما نصيب الاقتصاد الرقمي؟ ما مستوى الفقر المقبول؟ ما حجم الاعتماد على الواردات الغذائية؟ وما هي مكانة مصر في الاقتصاد العالمي؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة عبر ردود الأفعال أو إدارة الأزمات. تحتاج إلى رؤية متكاملة تحدد الأولويات الوطنية بوضوح. فالدولة التي تريد كل شيء في الوقت نفسه قد لا تحقق شيئًا على الوجه المطلوب.
من هنا تظهر أهمية ترتيب الأولويات. فليست كل القطاعات متساوية في تأثيرها على النمو. وليست كل الاستثمارات متساوية في قدرتها على خلق فرص العمل أو زيادة الإنتاجية أو دعم الصادرات. التخطيط الاستراتيجي يبدأ من فهم هذه الفروق واتخاذ قرارات صعبة أحيانًا حول ما يجب تقديمه وما يمكن تأجيله.
تحتاج مصر كذلك إلى تحديث طريقة قياس النجاح الاقتصادي. فالناتج المحلي الإجمالي، رغم أهميته، لم يعد كافيًا وحده للحكم على جودة التنمية. هناك دول تحقق نموًا مرتفعًا بينما تتدهور البيئة أو تتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو تتراجع جودة الحياة.
لهذا ظهرت في العالم مؤشرات جديدة مثل مؤشر التقدم الحقيقي (GPI)، ومؤشرات التنمية البشرية، ومؤشرات جودة الحياة، والاستدامة البيئية، ورأس المال الاجتماعي. لم يعد السؤال: كم أنتج الاقتصاد؟ بل أصبح: كيف عاش الناس؟ وما نوع الحياة التي وفرها هذا النمو؟
مصر الممكنة تحتاج إلى تبني هذا المنطق. لا يكفي أن يرتفع الناتج المحلي إذا لم تتحسن المدارس والمستشفيات، ولا يكفي أن تزيد الاستثمارات إذا لم تنعكس على التشغيل والدخول الحقيقية، ولا يكفي أن تتحسن المؤشرات الكلية إذا ظل المواطن يشعر بأن حياته اليومية تزداد صعوبة.
يرتبط التخطيط الاقتصادي كذلك بإدارة الموارد الوطنية. فالثروات الطبيعية ليست مجرد أصول اقتصادية، بل أمانة بين جيل وآخر. المياه، والطاقة، والأراضي الزراعية، والثروات المعدنية، كلها تحتاج إلى إدارة استراتيجية تحافظ على حقوق الحاضر دون أن تلتهم حقوق المستقبل.
كما يحتاج التخطيط إلى رؤية واضحة للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. فالدولة ليست بديلًا عن المستثمر، لكنها ليست متفرجًا أيضًا. دورها أن تهيئ البيئة، وتوفر المعلومات، وتحدد الاتجاهات، وتزيل العقبات، وتحمي المنافسة، وتستثمر في البنية الأساسية ورأس المال البشري.
أثبتت التجارب الناجحة أن الاستثمار في الإنسان يظل أكثر أنواع التخطيط ربحية على المدى الطويل. التعليم، والبحث العلمي، والصحة، والتدريب، ليست بنودًا استهلاكية في الموازنة، بل استثمارات استراتيجية تحدد قدرة الدولة على المنافسة لعقود قادمة.
لذلك فإن أي خطة اقتصادية لا تضع الإنسان في مركزها تتحول إلى مشروع هندسي ضخم بلا روح. قد تبني طرقًا ومباني ومناطق صناعية، لكنها تعجز عن بناء مجتمع منتج ومبتكر وقادر على الاستمرار.
لا تكتمل منظومة التخطيط دون قاعدة بيانات وطنية قوية. القرار الجيد يحتاج إلى معلومات جيدة. والدولة التي لا تعرف حجم مواردها بدقة، ولا تعرف خصائص سوق العمل، ولا اتجاهات الاستثمار والاستهلاك والإنتاج، تجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات كبرى بأدوات محدودة.
مصر الممكنة تحتاج إلى مجلس وطني للتخطيط والاستشراف الاستراتيجي يعمل بصورة دائمة، ويضم خبرات اقتصادية وعلمية وإدارية مستقلة، ويرتبط مباشرة بصانع القرار، ويكون مسؤولًا عن متابعة الاتجاهات العالمية، وقياس الأداء الوطني، واقتراح التعديلات الضرورية على السياسات العامة.
لا







