
في عالم تتكاثر فيه الحروب كما تتكاثر الأسئلة، وتتسع فيه خرائط الخوف بقدر ما تضيق فيه مساحات اليقين، لم يعد مقبولاً أن تظل العلاقات بين الشعوب أسيرة حسابات الحكومات، أو رهينة تقلبات السياسة الدولية.
فحين تعجز المدافع عن صناعة السلام، وحين تثبت الجدران عجزها عن وقف تدفق الأزمات، يصبح الحوار ضرورة لا ترفاً، وخياراً لا شعاراً.
ومن هنا، جاءت المبادرة التي أُطلقت من العاصمة الفرنسية باريس، لتأسيس (حوار متوسطي دائم مع أوروبا)، بمشاركة نخبة واسعة من الشخصيات السياسية، والفكرية والأكاديمية، والحقوقية العربية، وعدد من الأحزاب والمؤسسات المدنية، في محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقة بين ضفتي المتوسط، على أسس جديدة تقوم على الشراكة، والتعاون، والاحترام المتبادل.
لم يكن اختيار (باريس) مجرد مصادفة جغرافية، بل كان تعبيراً عن إرادة سياسية تسعى إلى إحياء روح المتوسط بوصفه فضاء للحوار، لا ساحة للصراع، وجسراً للتلاقي، لا حاجزاً للفصل.
المدن العظيمة لا تخلدها حجارتها، وإنما تخلدها الأفكار التي تنطلق منها، والمبادرات التي تمنح المستقبل فرصة جديدة للحياة.
لقد أدرك الموقعون على هذه المبادرة أن العالم العربي وأوروبا لا يجمعهما البحر فحسب، بل تجمعهما أيضاً التحديات والمصالح والمخاوف والآمال.
فالهجرة غير النظامية، والتطرف العنيف، والتغير المناخي، وأزمات الطاقة، والبطالة، والتحولات الرقمية، لم تعد أزمات محلية مغلقة، وإنما أصبحت قضايا عابرة للحدود، لا تعترف بجوازات السفر، ولا تقف عند نقاط التفتيش.
ولعل أبرز ما يميز هذه المبادرة أنها جاءت في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، ففلسطين ما زالت تنزف تحت وطأة الاحتلال والعدوان، والسودان يواجه واحدة من أكثر أزماته الإنسانية قسوة، وسوريا تسعى إلى لملمة جراح سنوات الحرب، فيما يواصل لبنان صراعه مع أزماته المتشابكة.
وفي المقابل، تواجه أوروبا تحديات متصاعدة تتعلق بالهجرة، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية.
وسط هذا المشهد المضطرب، تبدو الدعوة إلى حوار متوسطي دائم أشبه بنداء العقل في زمن الضجيج، وصوت الحكمة في عصر الاستقطاب.
لقد تجاوزت المبادرة حدود التشخيص النظري، وانتقلت إلى تقديم رؤية عملية تمتد حتى عام 2035، عبر أربعة محاور رئيسية تشكل في مجموعها خريطة طريق نحو شراكة أكثر توازناً وإنسانية.
أول هذه المحاور يتمثل في إنشاء (منتدى سنوي دائم للحوار الديمقراطي العربي الأوروبي)، يضم برلمانيين حاليين وسابقين، ورؤساء دول وحكومات سابقين، ووزراء، وقادة أحزاب، ومفكرين، وأكاديميين، وحقوقيين، وممثلين عن المجتمع المدني، بهدف إنتاج رؤى مشتركة تجاه قضايا الأمن والاستقرار والتنمية والديمقراطية والهجرة.
أما المحور الثاني، فيقوم على إطلاق (برنامج متوسطي لدعم الشباب والابتكار وريادة الأعمال)، انطلاقاً من إيمان عميق بأن الشباب ليسوا عبئاً على المستقبل، وإنما هم صناعه الحقيقيون. فحين يجد الشباب فرصاً عادلة للعمل، والإبداع داخل أوطانهم، تتراجع دوافع الهجرة، ويترسخ الانتماء، ويصبح الأمل أكثر قدرة على هزيمة اليأس.
ويأتي المحور الثالث متمثلًا في تأسيس (مرصد أوروبي متوسطي مستقل للمصير المشترك)، يتولى إصدار تقرير سنوي حول أوضاع الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان وسيادة القانون والتنمية والتغير المناخي، ليكون مرجعاً معرفياً يساعد صناع القرار على رسم السياسات بعيداً عن الأهواء والانطباعات.
أما المحور الرابع، فيهدف إلى إطلاق (برنامج واسع للتعاون الثقافي والعلمي والأكاديمي)، يقوم على تعزيز التبادل الطلابي والبحثي، وتشجيع المشروعات المشتركة بين الجامعات ومراكز الفكر، ومواجهة الصور النمطية، وخطابات الكراهية، والتطرف التي غذت سوء الفهم بين الشعوب.
إن هذه المبادرة تنطلق من حقيقة واضحة، وهي أن الأمن لا يبنى بالأسوار وحدها، وأن التنمية ليست نقيضاً للاستقرار، بل شرطاً من شروطه، وأن الديمقراطية وسيادة القانون ليستا رفاهية سياسية، وإنما ضمانة لاستمرار الدولة وتماسك المجتمع.
كما أن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تقتصر على مطاردة القوارب في عرض البحر، بينما تظل أسباب الهجرة راسخة على اليابسة.
فالشباب لا يغادرون أوطانهم حباً في الغربة، وإنما فراراً من الفقر أو القمع أو انسداد الأفق.
ولذلك، فإن الاستثمار في التنمية هو استثمار في الأمن، ومعالجة الجذور أكثر جدوى من إدارة النتائج.
ولم تغفل المبادرة عن القضايا الإقليمية الملحة :
– إذ جددت دعمها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية والكرامة وتقرير المصير وفق المرجعيات الدولية.
– كما أكدت أهمية الحفاظ على سيادة لبنان واستقراره.
– ودعت إلى إنهاء الحرب المدمرة في السودان واستعادة السلم الأهلي.
– وشددت على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وصولاً إلى نظام ديمقراطي يحقق تطلعات السوريين في الحرية والعدالة والمشاركة السياسية.
وقد حملت هذه المبادرة توقيع شخصيات وقوى سياسية وفكرية بارزة من مختلف أنحاء العالم العربي، من بينها رؤساء دول وحكومات سابقون، ووزراء سابقون، ومرشحون رئاسيون، وأكاديميون، وحقوقيون، ومفكرون، وممثلو أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني، في مشهد يعكس تنوعاً فكرياً وسياسياً نادراً، ويؤكد أن الإيمان بالحوار يمكن أن يجمع ما فرقته السياسة.
ولا شك أن الطريق أمام هذه المبادرة لن يكون معبداً بالورود، فهناك تحديات تتعلق بتباين الرؤى، واختلاف الأولويات، وتقلبات البيئة الإقليمية والدولية.
غير أن الأفكار الكبرى لا تقاس بسهولة بداياتها، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتأثير.
لقد علمتنا التجارب أن البحر الأبيض المتوسط يستطيع أن يكون طريقاً للهجرة غير الآمنة، لكنه يستطيع أيضاً أن يكون طريقاً للأفكار الآمنة.
ويمكن أن يتحول إلى خط تماس بين عالمين، كما يمكن أن يصبح مساحة للتكامل بينهما.
إن ما يجمع شعوب أوروبا والعالم العربي أكبر بكثير مما يفرقها، فالجغرافيا واحدة، والتاريخ متداخل، والتحديات مشتركة، والمصالح متشابكة، والمستقبل لن يكون إلا مستقبلاً متقاسماً، شاء الجميع أم أبوا.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه المبادرة لا تكمن في البيانات التي ستصدر عنها، ولا في المؤتمرات التي ستعقد تحت مظلتها، وإنما في قدرتها على ترسيخ قناعة جديدة مفادها أن الحوار ليس ضعفاً، وأن السلام ليس استسلاماً، وأن الاختلاف لا يبرر القطيعة.
فبين منطق الجدران ومنطق الجسور، اختار أصحاب هذه المبادرة أن يبنوا الجسور.
وبين لغة السلاح ولغة العقل، اختاروا أن ينحازوا إلى الكلمة.
وبين ذاكرة الصراع وإمكانات المستقبل، قرروا أن يمنحوا الأجيال القادمة فرصة جديدة للأمل.
فالأمم التي تعرف كيف تتحاور، تعرف كيف تتعايش.
والأمم التي تتقن فن الشراكة، تتقن صناعة المستقبل.
أما تلك التي لا ترى في الآخر إلا خصماً، فإنها تبقى أسيرة خوفها، وإن امتلكت كل أسباب القوة.
وربما آن الأوان لأن يتحول البحر الذي شهد حروباً طويلة إلى بحر يروي للأحفاد كيف انتصرت الحكمة يوماً على العناد، وكيف غلبت الجسور الجدران.
في النهاية :
لقد آمن الدكتور/ أيمن نور بأن البحر الأبيض المتوسط لا ينبغي أن يبقى حدوداً تفصل بين الضفاف، بل جسراً يصل بين المصائر، وأن السياسة في أنبل صورها ليست إدارة للصراع فحسب، وإنما صناعة للأمل.
وعلى الله قصد السبيل







