حدث في مثل هذا اليوم

فى مثل هذا اليوم : نيكسون في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى مصر ونجم يرد بـ«شرفت يا نيكسون بابا»

في 12 يونيو 1974، وصل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى القاهرة في أول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي إلى مصر، وسط استقبال رسمي وشعبي واسع أراده الرئيس أنور السادات استثنائيًا، في لحظة سياسية شديدة الحساسية أعقبت حرب أكتوبر 1973 وفتحت الباب أمام تحول كبير في علاقة القاهرة بواشنطن.
وجاءت الزيارة بعد نحو 9 أشهر فقط من حرب أكتوبر، وفي وقت كان السادات يدفع بقوة نحو إعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة، بعد سنوات من التوتر والقطيعة التي بلغت ذروتها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عقب نكسة يونيو 1967.
زيارة في ظل أزمة ووترجيت
تزامنت زيارة نيكسون إلى مصر مع واحدة من أخطر أزماته الداخلية في الولايات المتحدة، وهي فضيحة ووترجيت، التي أطاحت بشعبيته ووضعت مستقبله السياسي على المحك.
وكانت الصحف الأمريكية قد صعدت حملتها على نيكسون بعد ثبوت تورطه في قضية التنصت على مقر الحزب الديمقراطي المنافس، حتى أصبح سقوطه من البيت الأبيض متوقعًا على نطاق واسع.
ورغم ذلك، استُقبل نيكسون في القاهرة استقبالًا ضخمًا، في مشهد أرادته القيادة المصرية تأكيدًا على التحول الجديد في السياسة الخارجية، ورسالة إلى الداخل والخارج بأن مصر تفتح صفحة مختلفة مع واشنطن.
السادات والحشد الشعبي
أراد السادات أن يظهر الاستقبال بصورة أسطورية، فأعطى تعليماته للحكومة بحشد جماهير كبيرة في شوارع القاهرة لاستقبال الرئيس الأمريكي.
وامتلأت الشوارع بالمواطنين الذين جرى حشدهم من القاهرة ومحافظات قريبة، فيما أُعدت سيارة مكشوفة للرئيس الأمريكي، قبل أن يرفض الحرس الأمريكي استخدامها لأسباب أمنية.
وتحول استقبال نيكسون إلى مشهد دعائي ضخم، حتى وصف الرئيس الأمريكي المشهد في كلمته من شرفة قصر القبة بقوله إن الشعب حول السيارة إلى حديقة، مؤكدًا أنه شعر بأن الاستقبال جاء من قلوب المصريين.
هيكل: زيارة لإنقاذ صورة نيكسون
رأى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل أن الإعداد للزيارة تم بين السادات ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وأن الهدف منها، وسط أزمة ووترجيت، كان التأثير على الرأي العام الأمريكي وتصوير نيكسون باعتباره صانع سلام تحتفي به جماهير العالم العربي.
وأشار هيكل إلى أن السادات لم يقدر خطورة فضيحة ووترجيت، وربما اعتقد أن زيارة رئيس أمريكي إلى القاهرة سترفع من مكانته وتمنحه حضورًا عالميًا واسعًا.
وكان هيكل قد كتب في مقاله الأخير بالأهرام قبل خروجه منها، في فبراير 1974، متوقعًا سقوط نيكسون وخروجه من البيت الأبيض، وهو المقال الذي أثار غضب السادات بشدة.
الإعلام يمهد للزيارة
ساهمت أجهزة الإعلام الرسمية في التمهيد للزيارة، عبر تصويرها باعتبارها فرصة تاريخية يمكن أن تدفع الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة، وتفتح الباب أمام مساعدات اقتصادية أمريكية واسعة لمصر.
وفي المقابل، صدرت تعليمات للصحف المصرية في ذلك الوقت بتجنب نشر تطورات فضيحة ووترجيت التي كانت تتفاقم يوميًا في واشنطن، بينما كان نيكسون يُستقبل في القاهرة استقبال الأبطال، رغم ملاحقته سياسيًا داخل بلاده.
اليسار يرفض الزيارة
كانت قوى اليسار المصري، بمختلف فصائلها، من أكثر الرافضين لزيارة نيكسون، إذ أصدرت التنظيمات الماركسية السرية بيانات إدانة ووزعتها في الشارع، اعتراضًا على التحول المصري نحو الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، كتب الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدتين شهيرتين هما «حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرما» و«شرفت يا نيكسون بابا»، ساخراً من الزيارة ومن الحشد الإعلامي والسياسي الذي أحاط بها.
«شرفت يا نيكسون بابا»
تحولت قصيدة «شرفت يا نيكسون بابا» إلى واحدة من أشهر قصائد أحمد فؤاد نجم السياسية، بعدما سخرت بحدة من الضيف الأمريكي ومن المضيفين ومن حالة الاحتفاء الرسمي بالزيارة.
واعتبرت السلطات أن القصيدة تجاوزت حدود النقد السياسي، خاصة في المقاطع التي رأت فيها تلميحات مباشرة إلى الرئيس السادات وزوجته جيهان السادات، إلى جانب اتهام المرحبين بنيكسون بأنهم من جواسيسه.
وبحسب الكاتب صلاح عيسى، في كتابه «شاعر تكدير الأمن العام»، فإن القصيدة استفزت السلطات المصرية بشدة، لأنها لم تكتف بالسخرية من نيكسون، بل وسعت نقدها ليشمل أصدقاء الولايات المتحدة في الصحافة المصرية والحملة الدعائية التي سبقت الزيارة.
ذكرى سياسية وثقافية باقية
بقيت زيارة نيكسون إلى مصر علامة فارقة في تاريخ العلاقات المصرية الأمريكية، لأنها دشنت مرحلة جديدة من التقارب بين القاهرة وواشنطن بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
كما بقيت قصيدة أحمد فؤاد نجم شاهدًا ثقافيًا وسياسيًا على رفض قطاعات واسعة من المعارضة المصرية لهذا التحول، وعلى قدرة الشعر السياسي الساخر في تلك المرحلة على تسجيل لحظات مفصلية في الذاكرة العامة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى