
أمس الجمعة ،الثاني عشر من يونيو 2026 نشرت صحيفة «دي تيد» البلجيكية الصادرة في بروكسل تقريراً مطولاً بقلم الصحفية إيما فان دير ز، تحت عنوان: «في مصر، يدفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً لتشديد سياسة الهجرة الأوروبية».
نشر التقرير جاء بالتزامن مع دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيز التنفيذ، ليقدم رؤية أوروبية ناقدة لواقع اللاجئين السودانيين في مصر وللسياسات التي تحكم ملف الهجرة بين أوروبا ودول جنوب المتوسط.
أهمية التقرير لا تتوقف عند ما أورده من أرقام أو شهادات، بل فيما يكشفه من تحولات عميقة في النظرة الأوروبية إلى إدارة ملف الهجرة.
القضية لم تعد مرتبطة فقط بمن يعبر البحر المتوسط أو بمن يصل إلى الشواطئ الأوروبية، بل أصبحت تمتد إلى دول العبور والاستضافة التي تتحمل العبء الأكبر إنسانياً واقتصادياً وأمنياً.
السودان الذي تمزقه الحرب منذ سنوات دفع ملايين المواطنين إلى البحث عن ملاذ آمن خارج حدود وطنهم.
مصر، بحكم الجوار والتاريخ والعلاقات الممتدة بين الشعبين، كانت الوجهة الطبيعية لغالبية هؤلاء الفارين من أهوال الحرب.
يشير التقرير إلى أن أكثر من مليون ونصف مليون سوداني ، دخلوا مصر منذ اندلاع الصراع، وهو رقم يكشف حجم الضغوط التي تواجهها الدولة المصرية في مجالات الإسكان والتعليم والصحة والخدمات وفرص العمل. وهي أعباء حقيقية لا يمكن تجاهلها عند مناقشة هذا الملف المعقد.
لكن التقرير يلفت الانتباه في المقابل إلى جانب آخر من الصورة، يتعلق بتزايد الشكاوى المرتبطة بعمليات الاحتجاز والترحيل والملاحقات الأمنية بحق بعض اللاجئين السودانيين. وينقل روايات عن حالة خوف متنامية داخل بعض التجمعات السودانية دفعت كثيرين إلى تقليص حركتهم اليومية أو الامتناع عن الذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم خشية التوقيف أو الاحتجاز.
ويربط التقرير بين هذه التطورات وبين السياسات الأوروبية الجديدة للهجرة، معتبراً أن الاتحاد الأوروبي اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع التعاون مع دول العبور لمنع تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى أوروبا، من خلال اتفاقيات أمنية وتمويلية وشراكات استراتيجية متعددة.
وفقاً لما أورده التقرير، حصلت مصر على دعم أوروبي في برامج مرتبطة بمراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، كما أصبحت جزءاً من رؤية أوروبية أوسع تقوم على إبقاء المهاجرين واللاجئين خارج الحدود الأوروبية قدر الإمكان.
هنا تبرز معضلة سياسية وأخلاقية معقدة. فمن حق الدول حماية حدودها وأمنها القومي. ومن حق المجتمعات أن تدير مواردها المحدودة بصورة مسؤولة. لكن من حق الإنسان أيضاً أن يحظى بالحماية عندما يفر من الحرب، وأن تُصان كرامته عندما يصبح لاجئاً أو نازحاً.
اللاجئ السوداني ليس مجرد رقم في سجلات الهجرة، ولا ملفاً أمنياً عابراً. إنه إنسان اقتلعته الحرب من بيته ومدينته وأحلامه. وحين تتزاحم الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، تبقى الإنسانية هي الاختبار الأصعب والأكثر أهمية.
القانون الدولي وضع إطاراً واضحاً في هذا المجال من خلال مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر جسيم على حياته أو حريته. كما أن الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين تؤكد ضرورة توفير الضمانات القانونية والإنسانية الواجبة لكل من يلتمس الحماية.
ومن الناحية الدستورية، فإن سيادة القانون لا تكتمل إلا بوجود رقابة قضائية فعالة على إجراءات الاحتجاز والترحيل، وضمان حق التظلم والمراجعة القانونية، واحترام الوثائق الرسمية الصادرة عن الجهات الدولية المختصة بشؤون اللاجئين.
الحاجة تبدو ملحة كذلك إلى تمكين المنظمات الحقوقية المستقلة من متابعة الأوضاع الإنسانية، وتعزيز التعاون بين السلطات الوطنية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الحماية الإنسانية.
أما الاتحاد الأوروبي، فعليه أن يتحمل نصيباً أكبر من المسؤولية. فلا يكفي تمويل سياسات المنع والردع، بينما تتحمل دول الجوار وحدها الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المترتبة على النزوح الجماعي. فالمسؤولية المشتركة لا ينبغي أن تكون شعاراً سياسياً، بل التزاماً عملياً قابلاً للقياس والتنفيذ.
مصر والسودان تربطهما علاقات تتجاوز الجغرافيا والسياسة. بين الشعبين تاريخ طويل من التداخل الإنساني والثقافي والاجتماعي. ولذلك فإن التعامل مع محنة السودانيين ينبغي أن يظل محكوماً بروح الأخوة والمسؤولية المشتركة، دون إغفال التحديات الحقيقية التي تواجهها الدولة المصرية.
سوف تتوقف الحرب يوماً، وسوف يعود كثير من السودانيين إلى وطنهم عندما يستعيد عافيته. لكن ما سيبقى في الذاكرة ليس حجم الاتفاقيات ولا قيمة المساعدات، بل الطريقة التي عومل بها البشر في أشد لحظات ضعفهم، وكيف نجحت الإنسانية في أن تظل حاضرة وسط ضجيج السياسة وصراعات المصالح.







