تجنيد القاصرين في ليبيا انتهاك صارخ للقوانين الدولية يهدد مستقبل البلاد

يستمر ملف تجنيد القاصرين في ليبيا في فرض نفسه كواحد من أخطر الملفات الحقوقية التي تعكس عمق الانقسام السياسي وتغول المجموعات المسلحة في البلاد. يمثل تجنيد القاصرين في ليبيا معضلة أمنية كبرى حيث تسعى جهات مسلحة للاستفادة من صغار السن في النزاعات المسلحة والمهام اللوجستية الخطرة. يشكل تجنيد القاصرين في ليبيا انتهاكاً جسيماً للاتفاقيات الدولية التي تحظر استغلال الأطفال في النزاعات. يمثل تجنيد القاصرين في ليبيا تهديداً مباشراً لاستقرار المجتمع الليبي. يتطلب تجنيد القاصرين في ليبيا تدخلاً قانونياً عاجلاً للحد من هذه الممارسات التي تدمر أجيالاً كاملة.
تستغل بعض المجموعات المسلحة في العاصمة الليبية طرابلس حالة الفراغ الأمني لجذب فتيان تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً للعمل في صفوفها. تفرض القوانين العسكرية الصادرة في عهد معمر القذافي سن الثامنة عشرة كحد أدنى للخدمة العسكرية وهو ما تتجاوزه تلك المجموعات بوضوح. تساهم عمليات الاستقطاب في تعزيز قدرة التشكيلات المسلحة على فرض نفوذها الميداني.
تتوسع مهام الأطفال في هذه التشكيلات لتشمل حمل السلاح ونقل الإمدادات وتنفيذ مهام لوجستية حساسة داخل المقرات الأمنية. تؤكد تقارير حقوقية رصد طفل يقود آلية عسكرية مصفحة ومسلحة داخل محطة وقود خلال الاشتباكات المسجلة في عامي 2024 و2025. سجلت تقارير أخرى وفاة طفل كان منخرطاً بشكل مباشر في أعمال عسكرية لصالح مجموعات مسلحة نافذة.
تتداخل الأسباب الاقتصادية مع عوامل الانقسام السياسي لتشكل بيئة خصبة لاستقطاب القاصرين. يتقاضى هؤلاء الأطفال رواتب شهرية تتراوح بين 900 وألف دينار ليبي للعمل في صفوف الجماعات المسلحة. يرى مراقبون أن تدني مستويات المعيشة يدفع بعض العائلات أو الأطفال للبحث عن مصدر دخل سريع. يتجاوز هذا الخطر الحدود الوطنية ليشمل تجنيد أطفال سوريين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً ضمن جماعات مسلحة نشطت في البلاد منذ أواخر عام 2019.
يتحرك مسار الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة لوضع توصيات حازمة تهدف لحظر تجنيد القاصرين في النزاعات المسلحة. أكدت حواء زايد عضوة الحوار المهيكل أن الظاهرة منتشرة على نطاق واسع في البلاد. يطالب أحمد حمزة رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بضرورة تفعيل رقابة قانونية صارمة لإنهاء هذه الممارسات. تتطلب المواجهة الحقيقية للظاهرة تجفيف منابع الدخل التي تغذي المجموعات المسلحة وتساعد على بقائها.
تتصاعد المطالب بضرورة إقرار إطار قانوني يجرّم تجنيد الأطفال بشكل مطلق دون استثناءات. أعلنت حليمة عبد الرحمن وزيرة العدل بحكومة الوحدة تقديم توصية لمجلس النواب لإضافة نص مشدد في قانون العقوبات. يؤكد البرلماني فهمي التواتي أن الحاجة ملحة لقانون يحدد سن الثامنة عشرة كحد قانوني صارم للطفولة. ينبغي أن يتضمن القانون عقوبات جنائية رادعة على الأفراد والجهات التي تتورط في تدريب أو استخدام الأطفال في أعمال أمنية.
تتضمن الرؤية التشريعية المقترحة برامج لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للأطفال الذين تعرضوا للاستغلال. يرى خبراء أن إصدار القوانين وحدها لن ينهي الأزمة ما لم يتم معالجة جذورها المتمثلة في الفقر والبطالة وانتشار السلاح. يمثل ضعف التعليم وتسرب الأطفال من المدارس نتيجة للنزاعات عاملاً مساعداً في سهولة استقطابهم. يتطلع المجتمع الليبي إلى مرحلة إعادة الإعمار والتنمية التي تتطلب كوادر بشرية سليمة بعيدة عن لغة السلاح.
تستمر التحديات في طريق رصد حالات التجنيد بسبب نقص المعلومات الموثقة وصعوبة الوصول للبيانات الدقيقة. تسعى منظمات دولية بالتنسيق مع الجهات المعنية لوضع آليات مؤسسية تمكن الدولة من متابعة الانتهاكات بدقة. يتوجب على كافة الأطراف التوقف عن إشراك صغار السن في أي نشاطات عسكرية أو أمنية مهما كانت المبررات. يبقى الملف مفتوحاً على كافة الاحتمالات في انتظار قرارات سياسية وقانونية شجاعة تحفظ للأطفال مستقبلهم.







