د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (15).. الجمهورية الجديده..هي الجمهورية المنتجة وهي الطريق لعام 2030 (2/2)

فوق خريطة العالم اليوم لا تُقاس قوة الدول بعدد جنودها فقط، ولا بحجم مساحتها، ولا حتى بحجم ما تملكه من ثروات طبيعية. معيار القوة الحقيقي أصبح أكثر تعقيدًا وأشد وضوحًا في الوقت نفسه: ماذا تنتج؟ وما الذي تضيفه إلى الاقتصاد العالمي؟ وما حجم المعرفة التي تحولها إلى سلعة؟ وما مقدار التكنولوجيا التي تصنعها لا التي تشتريها؟ هنا تحديدًا يتحدد موقع الدول في القرن الحادي والعشرين.
انتهت الحلقة السابقة عند تشخيص الأزمة الصناعية المصرية، وعند سؤال كبير عن المصانع المغلقة، والدولار، والاستيراد، والتمويل الذي انحاز إلى الأسمنت أكثر مما انحاز إلى الماكينة. أما هذه الحلقة فتبدأ من سؤال مختلف: إذا كانت الصناعة هي الطريق الأول إلى 2030، فكيف تبني مصر جمهوريتها المنتجة؟ وما الذي ينبغي أن يتغير حتى يصبح الإنتاج محور المشروع الوطني؟
تبدأ الإجابة من الإنسان قبل المصنع. فالمصانع لا تبني نفسها، والآلات لا تدير نفسها، والتكنولوجيا لا تعمل وحدها. كل قصة نجاح صناعي في العالم بدأت من استثمار طويل وصبور في البشر. كوريا الجنوبية لم تبن صناعتها بالإسمنت والحديد أولًا، بل بنتها في المدارس والمعاهد ومراكز التدريب. وألمانيا لم تصبح القوة الصناعية الأولى في أوروبا لأن لديها مصانع فقط، بل لأنها امتلكت أحد أفضل أنظمة التعليم الفني في العالم.
تعاني مصر منذ عقود من فجوة واضحة بين التعليم وسوق العمل. مئات الآلاف من الشباب يتخرجون كل عام، بينما تشتكي المصانع من نقص العمالة المدربة. ليست المشكلة في عدد المدارس الفنية، بل في طبيعة ما تقدمه، وفي انفصالها عن احتياجات الصناعة الحقيقية.
يحتاج التعليم الفني إلى إعادة بناء كاملة. لا بوصفه مسارًا لمن لم ينجحوا أكاديميًا، بل بوصفه أحد أهم أصول الدولة الإنتاجية. فالعامل الماهر في دولة صناعية متقدمة لا يقل أهمية عن المهندس أو الطبيب أو الباحث. بل إن كثيرًا من الصناعات الحديثة تقوم أساسًا على مهارات فنية عالية يصعب تعويضها.
لهذا السبب يجب أن تصبح المصانع جزءًا من العملية التعليمية نفسها. الطالب يجب أن يتدرب داخل المصنع قبل أن يتخرج منه، وأن يتعرف على التكنولوجيا الحديثة قبل أن يدخل سوق العمل، وأن يصبح التعليم الفني مرتبطًا بالتشغيل الحقيقي لا بالشهادات الورقية.
لا يقل البحث العلمي أهمية عن التعليم. فالدول التي تصنع التكنولوجيا تختلف جذريًا عن الدول التي تستوردها. وتشير بيانات اليونسكو إلى أن الاقتصادات الصناعية الكبرى تخصص نسبًا مرتفعة من ناتجها المحلي للبحث والتطوير، بينما ما زالت أغلب الدول النامية تنفق نسبًا محدودة للغاية.
لم تعد الجامعة الحديثة مجرد مؤسسة تمنح الشهادات. أصبحت جزءًا من منظومة الإنتاج. الجامعات في كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين والولايات المتحدة ترتبط مباشرة بالشركات والمصانع ومراكز الابتكار. كثير من المنتجات التي تملأ الأسواق العالمية اليوم بدأت فكرة داخل معمل جامعي.
تحتاج مصر إلى بناء هذا الجسر المفقود بين الجامعة والمصنع. فالمعرفة التي لا تتحول إلى منتج تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها، والمصنع الذي لا يستفيد من البحث العلمي يظل معتمدًا على ما ينتجه الآخرون.
تكشف تجارب الدول الناجحة أن التمويل الصناعي لا يقل أهمية عن التعليم والبحث العلمي. فالمصنع يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تمويل طويل الأجل، وإلى مؤسسات مالية تفهم طبيعة الصناعة ومخاطرها ودوراتها الاقتصادية. ولهذا لعبت بنوك التنمية الصناعية أدوارًا محورية في اليابان وكوريا والصين والبرازيل.
تحتاج مصر إلى إعادة الاعتبار لفكرة بنك التنمية الصناعية بوصفه أداة للتنمية لا مجرد مؤسسة إقراض. مؤسسة تساعد المصانع الصغيرة والمتوسطة على التحديث والتوسع، وتدعم التكنولوجيا، وتشجع التصدير، وتوجه التمويل نحو القطاعات ذات الأولوية الوطنية.
لا يمكن الحديث عن الصناعة الحديثة دون الحديث عن الثورة الصناعية الرابعة. العالم يتحرك بسرعة نحو المصانع الذكية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وتحليل البيانات، والتصنيع الرقمي. لم تعد المنافسة قائمة على انخفاض الأجور فقط، بل على القدرة على الابتكار والإنتاجية وجودة المعرفة.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل قطاعات صناعية كاملة خلال السنوات المقبلة. الشركات التي تتبنى هذه التقنيات سترفع إنتاجيتها وتخفض تكلفتها وتحسن جودة منتجاتها. أما الشركات التي تتأخر فستجد نفسها خارج المنافسة تدريجيًا.
لا ينبغي أن تنظر مصر إلى هذه التحولات باعتبارها ترفًا تكنولوجيًا. بل باعتبارها فرصة. فالدول التي تدخل مبكرًا إلى الصناعات الجديدة تستطيع أن تختصر سنوات طويلة من التخلف الصناعي. والهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا الزراعية، وصناعة البرمجيات، كلها مجالات تمتلك مصر فيها فرصًا حقيقية.
تبرز هنا أهمية التصنيع الزراعي بوصفه أحد أكثر القطاعات الواعدة. مصر تنتج ملايين الأطنان من المحاصيل الزراعية سنويًا، لكن جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة يضيع قبل أن يصل المنتج إلى الأسواق النهائية. التصنيع الزراعي لا يعني فقط تعليب الغذاء، بل يعني بناء سلاسل قيمة كاملة تضاعف العائد الاقتصادي وتخلق فرص عمل جديدة.
تعلمت هولندا هذه الحقيقة مبكرًا. دولة صغيرة المساحة، لكنها أصبحت واحدة من أكبر المصدرين الزراعيين في العالم لأنها لم تكتفِ بالزراعة، بل أضافت إليها التكنولوجيا والتصنيع والبحث العلمي.
تحتاج مصر إلى التفكير بالطريقة نفسها. فالمشكلة ليست في إنتاج البرتقال أو الطماطم أو التمور فقط، بل في تحويل هذه المنتجات إلى صناعات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
كما تحتاج إلى إعادة بناء سلاسل القيمة المحلية. كثير من الصناعات المصرية تعتمد على مكونات مستوردة بنسبة مرتفعة، وهو ما يجعلها أكثر تعرضًا لتقلبات الدولار والأزمات العالمية. وكل زيادة في نسبة المكون المحلي تعني فرص عمل أكثر، وضغطًا أقل على العملة الأجنبية، وقدرة أكبر على الصمود.
تكشف التجربة الفيتنامية أهمية هذا المسار. فالدولة لم تكتف بجذب المصانع العالمية، بل عملت تدريجيًا على ربط الموردين المحليين بهذه المصانع، ورفع المحتوى المحلي، وتحويل الاقتصاد من منصة تجميع إلى قاعدة إنتاج متكاملة.
أما المغرب فنجح في بناء منظومات صناعية متخصصة في السيارات والطيران. لم يركز على المصنع النهائي فقط، بل على الموردين والتدريب والبحث والتطوير والخدمات اللوجستية. وهكذا تحولت الصناعة إلى منظومة كاملة لا إلى مشروع منفرد.
تحتاج مصر إلى رؤية مشابهة. رؤية ترى الصناعة بوصفها نظامًا متكاملًا يشمل التعليم والبحث العلمي والتمويل والطاقة والنقل والتكنولوجيا والتصدير. فالمصنع لا يعيش وحده، بل داخل بيئة إنتاجية كاملة.
الجمهورية المنتجة لا تقوم على مصنع واحد أو مدينة صناعية واحدة أو مشروع واحد. تقوم على ثقافة جديدة تجعل الإنتاج قيمة وطنية. ثقافة ترى أن قوة الدولة تبدأ من قدرتها على صنع ما تحتاجه، وعلى بيع ما تصنعه، وعلى المنافسة بما تنتجه لا بما تستهلكه.
خريطة الطريق الصناعية إلى 2030 تبدأ من عدة أولويات واضحة:
• إعادة توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية.
• تطوير التعليم الفني







