
لم تعد التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة اليوم مقتصرة على الضغوط الاقتصادية أو المشكلات الاجتماعية التقليدية، بل أصبح هناك تحدٍ أخطر وأعمق يتمثل في منظومة من المفاهيم والأفكار الوافدة التي تسللت إلى عقول الناس عبر الإعلام والأفلام والمسلسلات ومنصات التواصل الاجتماعي، فأعادت تشكيل نظرتهم إلى الزواج والأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة. ولم يعد كثير من الناس يدركون أنهم ينظرون إلى الزواج بعدسات ليست منبثقة من ثقافتهم ولا من دينهم ولا من فطرتهم، بل من تصورات نشأت في بيئات مختلفة تعاني أصلًا من تفكك الأسرة وارتفاع نسب الطلاق والعزوف عن الزواج.
ومن المهم التأكيد منذ البداية أن المشكلة ليست في كون الفكرة غربية أو شرقية، وإنما في مدى موافقتها للفطرة السليمة وللهدي الرباني وقدرتها على تحقيق الاستقرار الأسري. فالحكمة ضالة 1المؤمن، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يزن الأفكار بميزان الشرع والعقل والخبرة الإنسانية.
لقد كان الزواج في الرؤية الإسلامية مشروع سكن ومودة ورحمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، بينما أصبح الزواج في كثير من الخطابات المعاصرة مشروعًا لتحقيق الذات الفردية. وهنا تظهر أولى الإشكاليات الكبرى، وهي سيطرة ثقافة “أنا أولًا”.
ففي الماضي كان الإنسان يدخل الزواج وهو يسأل: ماذا سأقدم لهذه الأسرة؟ وكيف أبني بيتًا صالحًا؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال عند كثيرين: ماذا سأحصل من هذا الزواج؟ وهل يحقق لي السعادة الكاملة؟ وهل يلبي جميع احتياجاتي النفسية والعاطفية والمادية؟ وعندما تصبح الذات هي مركز الكون، تتحول العلاقة الزوجية من شراكة إلى ساحة مطالبات لا تنتهي، ويصبح كل طرف منشغلًا بحقوقه أكثر من انشغاله بواجباته.
ومن المفاهيم التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالأسرة كذلك فكرة “الشريك المثالي”. فالمسلسلات والأفلام والروايات العاطفية صنعت صورة خيالية للرجل الكامل والمرأة الكاملة والحب الكامل الذي لا يعرف خلافًا ولا فتورًا ولا أخطاء. وعندما يصطدم الزوجان بواقع الحياة الطبيعية يبدآن في الشعور بخيبة الأمل، لأن كل واحد منهما يقارن شريك حياته بصورة وهمية لا وجود لها في الواقع. بينما يعلمنا الإسلام أن البشر يخطئون ويقصرون، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر». فالنجاح الزوجي لا يقوم على الكمال، وإنما يقوم على تقبل النقص البشري والتعامل معه بحكمة ورحمة.
ومن أخطر التحولات الفكرية المعاصرة أيضًا تحويل الزواج إلى معادلة قانونية جافة قائمة على الحقوق فقط. فأصبح الحديث يدور باستمرار حول حقوق الزوج وحقوق الزوجة، بينما تراجع الحديث عن الإحسان والفضل والتسامح والعطاء والتضحية. ومع أن الحقوق ضرورية لحفظ العدالة، إلا أن الأسرة لا تبنى بالقوانين وحدها. فالقاضي يستطيع أن يُلزم الإنسان بأداء حقه، لكنه لا يستطيع أن يزرع المودة في القلوب، ولا أن يصنع الرحمة بين الزوجين. ولذلك كان القرآن الكريم يتحدث عن “المعروف” و”الإحسان” و”المودة” أكثر من حديثه عن لغة المطالبات القانونية المجردة.
كما ساهمت بعض الخطابات الحديثة في ترسيخ فكرة الصراع بين الرجل والمرأة. فأصبح كل طرف يُصوَّر على أنه خصم للطرف الآخر، وتحولت العلاقة التي أرادها الله علاقة تكامل إلى معركة نفوذ وسلطة. وأصبحت بعض النساء ينظرن إلى نجاح الرجل على أنه تهديد لهن، وبعض الرجال ينظرون إلى نجاح المرأة على أنه انتقاص من مكانتهم. والحقيقة أن هذه الرؤية تتناقض مع التصور الإسلامي الذي يجعل الزوجين شريكين متكاملين، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. فاللباس لا يصارع صاحبه، وإنما يستره ويحميه ويكمله.
ومن المفاهيم التي تسببت في اضطراب الحياة الأسرية أيضًا مفهوم الحرية المطلقة. فقد رُوّج لفكرة أن الإنسان لا ينبغي أن يقيده شيء، وأن الالتزامات الأسرية عبء يحد من حرية الفرد. ومع مرور الوقت أصبح البعض ينظر إلى الزواج والأبوة والأمومة بوصفها قيودًا لا مسؤوليات نبيلة. بينما الحقيقة أن كل إنجاز إنساني يحتاج إلى التزام، وأن الأسرة لا يمكن أن تستقر إذا تعامل أفرادها بمنطق الرغبات المتقلبة والمزاج الشخصي.
وزاد الأمر تعقيدًا انتشار ثقافة المشاعر اللحظية، حيث أصبح كثير من الناس يربطون نجاح الزواج بقوة المشاعر فقط. فإذا ضعفت المشاعر فترة من الزمن ظنوا أن الحب انتهى وأن العلاقة فشلت. بينما تؤكد التجربة الإنسانية أن المشاعر تمر بمراحل من الصعود والهبوط، وأن الزواج الناجح لا يقوم على المشاعر وحدها، بل على الالتزام والوفاء والصبر وتحمل المسؤولية. ولهذا وصف الله الزواج بأنه “ميثاق غليظ”، ولم يصفه بأنه مجرد علاقة عاطفية مؤقتة.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف تحديًا جديدًا. فكل يوم يرى الزوج أو الزوجة عشرات الصور والمقاطع التي تعرض حياة مثالية مصطنعة، وسفرًا دائمًا، وهدايا متواصلة، ورومانسية لا تنتهي. ومع كثرة المقارنات يبدأ الشعور بالسخط على الواقع، رغم أن كثيرًا مما يُعرض ليس سوى لحظات منتقاة بعناية لإبهار المتابعين. وهكذا أصبح بعض الناس يقارنون حياتهم الحقيقية بمشاهد افتراضية مزيفة، فازدادت الفجوة بين التوقعات والواقع.
ومن أخطر النتائج كذلك إضعاف قيمة الأمومة والأبوة. ففي بعض الخطابات المعاصرة تُصوَّر الأمومة وكأنها عائق أمام تحقيق الذات، ويُصوَّر الإنجاب وكأنه عبء يجب التخلص منه أو تأخيره قدر الإمكان. بينما تنظر الرؤية الإسلامية إلى بناء الأسرة وتربية الأبناء على أنها من أعظم الرسالات الإنسانية وأجل الأعمال التي يترك الإنسان أثرها من بعده.
كما انتشرت ثقافة الاستهلاك في العلاقات الإنسانية. فكما تُستبدل السلع عند أول عيب، أصبح بعض الناس يفكرون في استبدال العلاقات عند أول مشكلة. فتراجعت قيم الصبر والإصلاح والتسامح، وارتفعت معدلات الانفصال لأسباب كان يمكن علاجها بالحوار والحكمة والتدرج في الحلول.
ولعل أخطر ما في هذه التحولات كلها أن المرجعية في فهم الزواج لم تعد في كثير من الأحيان القرآن والسنة والخبرة الأسرية الراشدة، بل أصبحت المسلسلات والمؤثرين والمشاهير ومنصات التواصل. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ لأن الإنسان يتبنى تدريجيًا قيمًا ومفاهيم قد لا يشعر أصلًا أنها تتعارض مع دينه وفطرته حتى تبدأ آثارها السلبية بالظهور في بيته وعلاقاته.
خاتمة:
إن الأسرة المسلمة اليوم بحاجة إلى استعادة وعيها بمفهوم الزواج كما أراده الله تعالى: سكنًا لا صراعًا، ومودة لا منافسة، ورحمة لا محاسبة دائمة، وتكاملًا لا تنازعًا على الأدوار. فالأزمة الكبرى ليست في قلة الموارد أو كثرة الضغوط فحسب، بل في المفاهيم التي تحكم طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة الزوجية. وإذا صلحت المفاهيم أمكن إصلاح كثير من المشكلات، أما إذا فسدت المفاهيم فلن تنجح كثرة الدورات ولا النصائح في تحقيق الاستقرار المنشود.
ولهذا فإن حماية الأسرة المسلمة تبدأ أولًا بحماية الوعي، وتصحيح التصورات، والعودة إلى المنهج الرباني الذي جعل الزواج آية من آيات الله، وميثاقًا غليظًا، وسكنًا ومودة ورحمة، وركنًا أساسيًا في بناء الأمة ونهضتها.
د. محمد عماد صابر







