سورياملفات وتقارير

تحديات مسار الاندماج في سوريا بين طموح الإدارة الذاتية والسياسات المركزية

تتعاظم التساؤلات حول مستقبل الاستقرار في سوريا في ظل التعقيدات التي تكتنف تنفيذ اتفاق 29 يناير 2026 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، إذ يمثل هذا الاتفاق محاولة جوهرية لدمج مؤسسات شمال شرق سوريا في البنية الوطنية، إلا أن المسار يصطدم بعقبات بنيوية تتعلق بالهوية والحقوق السياسية، حيث يترقب الجميع مدى قدرة الأطراف على تجاوز مرحلة وقف إطلاق النار والانتقال نحو هيكلة إدارية وأمنية تضمن الحقوق الأساسية لمختلف المكونات الاجتماعية.

تشهد عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكلية الجيش السوري تعثراً ملحوظاً، فرغم الاعتراف رسمياً بأربعة ألوية موزعة على مناطق الجزيرة وكوباني، تبرز خلافات حادة حول حجم القوات، إذ تصر الحكومة السورية المؤقتة على حصر العدد بـ 1300 عنصر فقط وفق القوانين العسكرية التقليدية، بينما تؤكد قوات سوريا الديمقراطية أن الظروف الأمنية الراهنة تتطلب ما لا يقل عن 3000 عنصر، مما يجعل هذا الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات.

أزمة الهوية وتحديات التنوع الثقافي في سوريا

تفرض سياسات الحكومة السورية المؤقتة تحديات كبيرة على مستوى الهوية واللغة، إذ تراجعت الحقوق الثقافية المكتسبة في روج آفا لصالح توجه مركزي يفرض التعريب القسري، حيث أزيلت اللوحات الإدارية متعددة اللغات واستبدلت بأخرى عربية فقط، كما أثارت محاولات إعادة تسمية مدينة كوباني باسم عين العرب استياءً واسعاً، مما يعزز المخاوف من سياسة تهدف إلى التذويب الثقافي وإقصاء اللغة الكردية والسريانية من الفضاء العام والعملية التعليمية.

تستمر أزمة عودة المهجرين في سري كانيه وكري سبي كواحدة من أعقد القضايا، فعلى الرغم من نجاح عودة سكان عفرين التي اكتملت بدفعتها الثامنة، لا تزال المجموعات المسلحة المدعومة من الدولة التركية ترفض الانسحاب من مناطق سري كانيه وكري سبي، مما يعرقل إحصاء العائلات النازحة ويجعل مصير تلك المناطق معلقاً برغبة الدولة التركية في مواصلة نفوذها، وهو ما يضع الحكومة السورية المؤقتة أمام اختبار حقيقي لسيادتها وقدرتها على استعادة السيطرة الكاملة.

وضع المرأة ونظام الرئاسة المشتركة في الميزان

تعتبر قضية المرأة ومكانة وحدات حماية المرأة ضمن الهيكلية الدفاعية من أكثر الملفات حساسية، حيث يرى مراقبون أن التوجهات المحافظة داخل الحكومة السورية المؤقتة تتعارض جوهرياً مع نموذج الرئاسة المشتركة الذي تتبناه الإدارة الذاتية، ويشكل إقصاء النساء من مراكز صنع القرار أو محاولة تقليص دورهن في النظام الأمني مؤشراً سلبياً يثير القلق، خاصة أن المنظمات النسائية تعتبر حماية المكتسبات السياسية والاجتماعية شرطاً غير قابل للتفاوض لأي عملية اندماج ديمقراطي.

تتضح الصورة أكثر عند النظر إلى واقع ملف الأسرى الذي شهد الإفراج عن 1050 أسيراً عبر ست دفعات رغم محاولات هيئة تحرير الشام توظيف هذا الملف سياسياً، ومع ذلك يبقى الاستقرار بعيد المنال دون عقود اجتماعية تحترم الخصوصيات المحلية، إذ تتجاوز تداعيات المسار روج آفا لتشمل الطائفة الدرزية والعلوية ودير الزور، مما يستوجب تحولاً نحو نظام يضمن المشاركة العادلة بعيداً عن مفاهيم الدولة المركزية التي أثبتت فشلها في تلبية تطلعات المواطنين السوريين بمختلف أطيافهم.

تظل عملية الاندماج الديمقراطي الخيار الوحيد لتفادي الصراعات المستقبلية وضمان عدم تجدد موجات الهجرة، فالتجربة التي خاضتها الإدارة الذاتية في روج آفا قدمت نموذجاً قابلاً للتطوير وطنياً، لكن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية تتخلى عن الذهنية الإقصائية وتدرك أن بناء سوريا الجديدة يستوجب الاعتراف بالتنوع القومي والثقافي والسياسي كركيزة أساسية للمواطنة المتساوية، وهو ما سيحدد في النهاية شكل الدولة السورية في المرحلة القادمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى