تقرير أممي يحذر من كارثة عالمية تهدد مستقبل 12 مليون فتاة سنوياً

تصدرت تحذيرات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان واجهة الأحداث الدولية بعد كشفها عن أرقام مفزعة تتعلق بظاهرة زواج الأطفال التي تلتهم طفولة الملايين، إذ أكدت البيانات الحديثة أن 12 مليون فتاة يقعن ضحايا للزواج قبل بلوغهن سن الثامنة عشرة في كل عام، مما يعكس فشل الجهود الدولية حتى الآن في كبح جماح هذه الممارسة التي تدمر حياة المراهقات وتجعل مستقبلهن رهينة لأعراف اجتماعية بالية وظروف اقتصادية قاهرة تمنع نموهن الطبيعي.
تؤكد التقارير الموثقة أن هناك 650 مليون امرأة وفتاة يعشن حالياً في واقع فرضته عليهن زيجات الطفولة، وتتوزع هذه الكتلة البشرية المتضررة بنسب متفاوتة تتصدرها منطقة جنوب آسيا كأكثر المناطق تضرراً، تليها إفريقيا جنوب الصحراء، ثم شرق آسيا والمحيط الهادئ، وتكشف هذه الأرقام الضخمة عن فجوة هائلة بين القوانين الوطنية والواقع الممارس الذي يحرم الفتيات من حقهن الأصيل في التعليم والصحة والأمان، ويحولهن إلى أمهات قبل أن يكتمل نضجهن الجسدي والعقلي.
تواجه الفتيات اللاتي يقعن في فخ الزواج المبكر مخاطر صحية واجتماعية لا يمكن التغاضي عنها، حيث أثبتت الدراسات ارتباط هذه الزيجات بارتفاع جنوني في معدلات الوفيات والمضاعفات الخطيرة أثناء الحمل والولادة للأمهات المراهقات، فضلاً عن المخاطر الصحية التي تطال الأطفال المولودين لهن، ويؤدي هذا النوع من الزواج أيضاً إلى قطيعة تامة بين الفتاة ومقاعد الدراسة، مما يغلق أمامها جميع أبواب التمكين الاقتصادي ويجعلها حبيسة حلقة مفرغة من الفقر المدقع والعنف والاستغلال الممنهج.
تتفاقم هذه الأزمة الإنسانية بشكل مخيف في أوقات النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية، حيث تلجأ الأسر في ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة إلى تزويج بناتها كخيار زائف لتوفير الحماية المزعومة أو التخلص من الأعباء المالية، بينما تشير الوقائع إلى أن هذا القرار يحول الفتيات إلى هدف سهل لانتهاكات مضاعفة، وتتحول البيوت في هذه الحالات إلى ساحات للاستغلال بدلاً من أن تكون ملاذاً آمناً، وتغيب القوانين الفاعلة عن حمايتهن في ظل تداخل الضغوط الأسرية مع ضعف المنظومات الرقابية والاجتماعية في المناطق المتضررة.
تحدد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تعريفاً دقيقاً لهذه الممارسات، حيث تضع زواج الأطفال ضمن إطار أي زواج يكون أحد أطرافه تحت سن الثامنة عشرة، وتفرق بوضوح بينه وبين الزواج المبكر الذي قد يقع بين أطراف تجاوزوا السن القانونية ولكنهم يفتقرون للنضج، بينما تشير إلى الزواج القسري كنمط يتم دون موافقة حرة وكاملة، وتطالب المفوضية بضرورة تجريم هذه الممارسات بشكل قطعي ورفع سن الزواج القانوني إلى ثمانية عشر عاماً لكلا الجنسين دون استثناءات تسمح بالتحايل.
تستعرض الممارسات الدولية الناجحة تجارب دول مثل كولومبيا وسيراليون وأستراليا وهولندا والفلبين وأوزبكستان التي اتخذت خطوات تشريعية صارمة للحد من هذه الظاهرة، وتدعو المفوضية إلى تعميم هذه النماذج عبر استراتيجيات وطنية شاملة تربط بين التعليم والصحة والعدالة، وتشدد على ضرورة تدريب القضاة والكوادر الطبية والاجتماعية للتعامل مع هذه الحالات باعتبارها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتؤكد أن تحقيق الهدف الدولي بالقضاء على زواج الأطفال بحلول عام 2030 يتطلب استثمارات ضخمة والتزاماً سياسياً جاداً لا يتأثر بالاعتبارات التقليدية.
تتواصل الجهود الدولية الرامية لتعزيز تسجيل المواليد وعقود الزواج كأداة قانونية للوقاية، حيث ترى الأمم المتحدة أن غياب التوثيق القانوني يعد ثغرة تسمح بتفشي الزواج خارج الأطر الرسمية، وتطالب بضرورة تقديم الدعم النفسي والاجتماعي الكامل للناجيات من هذه الزيجات لضمان دمجهن في المجتمع بشكل سليم، وتشدد على أن القضاء على هذه الظاهرة سيستغرق ما يقرب من 300 عام إذا استمرت المعدلات الحالية على حالها دون تدخل عاجل وفوري، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته في حماية الفتيات وضمان حقوقهن.







